من ذاكرتي المجهدة …تمنيتها قصصا قصيرة
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

* خصم فلاح المجهول.. (1)
– قد تضيع منك روحك مرة او بضع مرات وتقع فريسة لهاجس لاتعرف ملامحه كما وقع لفلاح فلاتستغرب من فقدانك لذاكرتك مؤقتا…
– المكان : قرية وادعة هادئة زراعية يستمتع بها الزائر ولو كان في شهر أغسطس بسبب مكائن المياه التي تجعل الجو عليلا ورائعا ..
– تشتهر هذه القرية بجودة قمحها وارواح أناسها الجميلة .
– بيوتهم ليست بجانب بعضها البعض بل كل واحد بيته بمزرعته ومن ضمنهم فلاح ..
– رشاشه المائي شامخ بوسط حقول قمحه بعد حصدها ..
– الزمان : في يوم غريب من أيام حرق سيقان القمح تمهيدا لزراعتها مرة أخرى فالرماد والحشرات المحروقة سماد جيد للأرض خبرة اكتسبها فلاح من والده المزارع وتشربها منه ..
– الأرض : مملوكة بصك شرعي ، ومحاطة بسور طويل ، يتوسطها بوابة لها تاج مزخرف بورد مكتوب بخط كوفي جميل (حياكم الله ) تحت العبارة اسمه واسم والده ..
– هذه قصة قصيرة لفلاح بتخفيف اللام :
– نظر فلاح إلى ساعته ثم إلى ابنه الأكبر وبناته وزوجته قال :
– حان وقت الرماد أمسك بعود الكبريت وأشعله فأطفأت الريح الخفيفة الثقاب .
– جرب وأخذ عودا آخرا لكن قبل أن يشعله لفت انتباهه دخول مجموعة كبيرة من الأغنام من بوابة مزرعته المفتوحة دائما بنوعيها الماعز والضأن .
– يقودها عامل من الجنسية الهندية يميل إلى السواد الشديد مع كلبه النشيط الذي يعدو عن يمينها وشمالها ..
– خلف القطيع سيارة دفع رباعي جديدة ..
– أشار لابنه الأكبر بحماس الكريم وقال :
– خذ أمك وأخواتك إلى البيت حتى نستضيف هذا الرجل وأغنامه ..
– اقتربت الأغنام بشكل فطري من قمح فلاح وكأنها مدربة على هذا الشئ بسرعة ترعى سيقان القمح ، وتلتقط الحبوب بلسانها الطويل ..
– وقف رجل بزهو وهو يلبس لباسا ابيض نظيفا تبدو عليه مظاهر الثراء على رأسه غترة وعقالا ، تفوح منه رائحة عطر ما أما شاربه فكأنه سيف معقوف حليق الذقن وأريل الهاتف فوق هامة سيارته .
– رحب فلاح به كعادته في مكانه ثم في مجلسه العامر ، رنين النجر يسمعه البعيد ..
– يبتسم مرة ويدق مرة ، قهوته المحمصة الصفراء تذوقها ضيفه بحماس طفولي ، وهز فنجانه الثالث ، قال فلاح :
– سم ..وش اخدمك به ؟
– رفع طرف غترته على منكبه ، وقال :
– ابد طال عمرك..سمعت من بعض جيرانك أنك ستحرق المتبقي من السيقان لزراعتها بالقمح مرة أخرى..
– صحيح طال عمرك ..
– قلت : ماراح يضرك لوترعى الأغنام كل المتبقي من القمح والسيقان حتى تتخلص من الحشرات المختبئة ببنها وأعتبرها يالنشمي ذبيحتي هاها..
– استجاب فلاح له بعد اخذه واجب الضيافة ثم استأذن الضيف للذهاب وهو يضحك ..
– استمرت الأغنام بالرعي أياما كثيرة حتى أوشكت على إنهاء كل السيقان والحشائش ..
– في يوم من ايام الصيف كان فلاح جالسا هو وابنه في مجلسه يتناولان فناجين القهوة فسمع ابنه جلبة واصواتا شبيهة بالحراثة ..
– قفز من مكانه ونظر من النافذة ، وقال :
– أبي هناك من يحرث أرضنا ..
– نعم .. كيف ؟!
– لم يصدق فلاح من الصدمة فاقترب حتى مس أنفه حديد النافذة ..
– انفعل الأب والابن معا وذهبا إلى ذلك الشخص ، وكم كانت المفاجأة ، عامل الضيف هو من يقود الحراثة !!
– كلمه فلاح بأدب فلم يمتثل ، وبعد ساعة من حراثة الأرض حضر الرجل الغامض وقال لفلاح بكل صفاقة :
– هذه الشرطة وبابها مفتوح !!
– تماسك فلاح ومنع ابنه من استخدام القوة وقال له :
– صدق يابني باب الشرطة مفتوح والدنيا ماهي فوضى ..
– في الصباح الباكر توجه بسيارته إلى مخفر القرية الوحيد وهويحدث نفسه بصوت عال .
– ترى من هذا الشخص ؟!
– وهل هو مسلط عليَّ من أعدائي الذين رفضت الموافقة على تأجير مزرعتي لهم ؟
– انتقلت عدوى الأسئلة المستمرة لأفراد عائلة فلاح :
– قالت زوجته وهي قريبة من البكاء :
– ماذا يريد هذا الشخص منك ؟!
– قالت بناته وابنه الكبير بصوت واحد :
– ماذا يريد هذا الشخص منك ياأبي ؟!
– رد فلاح عليهم جميعا وهو ينظر للنجوم النابضة :
– لا أدري !!
– كانت وقفتهم تشبه الوقفة العسكرية حتى أمرهم فلاح بالعودة لغرفهم والنوم بسرعة ..
– أسئلة كثيرة تموج في خاطره الحائر لم يقطعها إلا عندما اقترب من المخفر . – لايعلم كيف وصل إلى المخفر المهم ترجل من سيارته وسحب كرسيا كان بالقرب من مكتب الضابط وقال له بتصميم :
– أريد أن افتح بلاغا على شخص أخذ أرضي بحجة رعي أغنامه بها لكنه استولى عليها وحرثها بصفاقة ولؤم ..
– رد عليه الضابط وهو يتثاءب :
– بكرت يافلاح ..طيب الأرض كلها أو الأرض الخاصة بزراعة القمح .
– فقط الأرض المخصصة لزراعة القمح .
– هل أنت متأكد بأنك لم تؤجرها عليه ؟
– متأكد مثل تأكدي أني أمامك .
– طلب مني أن ترعى أغنامه فقط ، ويذهب هو وأغنامه حالما تنتهي من رعيها .
– مااسم المدعى عليه ؟
– حقيقة لاأعلم لكن أعرف رقم سيارته .
– يكفينا الرقم لنأتي بالشخص المطلوب .
– انتهت المقابلة على خير ، وحولت من الشرطة إلى المحكمة في المدينة علما بأن البلاغ لم يوجد به إلا اسم فلاح ورقم سيارة خصمه فالرجل الغامض مجهول بالنسبة لفلاح حتى عامله الهندي لم يبح باسمه عندما طلبه منه .
– ذهب فلاح في اليوم التالي لمحكمة المدينة عملا بنصيحة الضابط لتسريع معاملته إلى القاضي ..
– قال القاضي في الجلسة الأولى طبعا لم يحضر خصم فلاح :
– يافلاح ارجع وبعد أسبوع يكون خصمك أمامي على فكرة البلاغ لايوجد به اسم المدعى عليه فقط رقم السيارة ، فكيف حولت لي بدون اسم ؟
– لم يجب فلاح إلا بعبارة لا أدري ..
– بعد مدة ليست بالقصيرة حضر خصم فلاح باسم هذه المرة ، وقدم ادعاءه وقسمه على أن فلاحا قد سمح له برعي أغنامه ثم زراعتها كي استفيد أنا وهو !!
– انكر فلاح كلام خصمه وأقسم على ذلك ..
– القصة استمرت جلسة بعد جلسة أما الأرض المسكينة فقد استفاد منها ومن تسويق قمحها المدعى عليه ، وهو يبتسم !!
– وقف فلاح على أرضه بعد مرور سنتين من المراجعة والتردد على المحكمة وبعد انتهاء المعركةثبت النصر والحق له ، وليس لخصمه المتطفل أي شئ ..
– الغريب والأكثر حيرة أن فلاحا أقام وليمة كبيرة في نفس المجلس على شرف خصمه الغامض بعد خروجه وخروج آلاته من مزرعته !!

* وحدي ولامعك أكون.. (2)
– أخذ القلم السائل برشاقة ، هذا القلم لم يفارقه ، لايحب الكتابة إلا به .
– كل شئ جامد حوله ، الستائر البلهاء ، أصوات الريح تطرق النوافذ ، الجدران والصمت المريع .
– سهر معه ليالي وأياما في كتابة الروايات العاطفية كلما ينتهي الحبر يملأه بالحبر الأزرق ، ويملأ نفسه بالحنين والاهتياج .
– المهم بعد جلوسه على مكتبه دائما يحب الكتابة صباحا أما غيره من الروائيين فعادتهم الكتابة ليلا ..
– بجانبه كوبه الأبيض الصغير – المخصص للقهوة التركية – من الخزف الصيني تحته قطعة كلينكس كالعادة يرتشف القهوة السوداء بلاصوت فإذا انتهى من آخر شفة ، يبدأ في الكتابة سريعا كانهمار السيل من مكان عال ..
– غارق في قراءة ماكتبه ..في كل ليلة يقرأ يهتاج تمتلى عينيه بالدموع ويهتف :
– ستكون أعجوبة أنا متأكد من ذلك ..
– يبدل ويحذف ويدخل أشخاصا ، له ثماني سنوات في كتابة روايته لدرجة أن أحد أصدقائه الروائيين قال له مداعبا :
– لوكانت رسالة ماجستير أخذتها بنصف المدة ..
– في صباح هذا اليوم دخلت عليه زوجته بغرابة تلبس فستان الزواج السكري ومعها شمعة الليلة الأولى ، سكرية اللون ولها رقبة طويلة ، تبروز ضيقتها في آخر السور لكن لا وسأدخل .. يقتلها التساؤل :
– هل هو بداية الشك ؟
– هي تعلم طقوس كتابته ، أي صوت يتسلل إلى خلايا مخه يلخبط أوراقه وأفكاره تلعثم قليلا ثم قال لها :
– كيف تدخلين الآن وأنت تعرفين عادتي ؟
– قالت وهي تحمل شمعتها المضيئة :
– لاتنظر لي هذه النظرة فهي تخيفني ..تملأني بإحساس غريب ..
– هل ستأتي الآن معي ؟
– قالت مستعطفة :
– لك سنوات كثيرة ، وأنت تكتب روايتك (معك ولا وحدي أكون )..
– لم أرك في غرفتي مرة واحدة ، لماذا ؟
– حتى أبطال روايتك لم تمل منهم طوال ثماني سنوات ، كل صباح تحييهم ، وتشتاق لهم ، وتتحدث معهم .
– قال لها بإصرار وحدة :
– لا لن أعود ..حتى اسم روايتي لاتحفظينه جيدا !!
– أبطال روايتي ليست عيونهم فارغة ، يبادلونني الحب والشوق أما أنت فأشبهك بالتراب مهما تنزل عليه الأمطار لايشبع بينما تصيبه الحيرة من فنجان دم لا يستطيع بلعه !!
– قالت بانكسار :
– حسنا ، قلي إذن ماذا أفعل؟
– أخرجني من تجربتك الأولى الفاشلة ، فالنساء ليست على تمثال واحد ، أريد لك السعادة لكن لا أعرف كيف ؟
– أنا واثقة بأنه لن ينساني …أينسى من قبلت به ، ورفضت غيره ؟!
– أكثر ت هذه (الأو) وانا في حضرته كأنني قصيدة قديمة لم يعد لها جمهور أو نسيت على رف اليأس رغم إلحاحي ومحبتي .
– لم يرفع رأسه وهي تفكر ، ذهبت مع شمعتها المنكسرة مثلها ، قلبها يسقط ويتحطم تحت قدميها .
– ساعة واحدة مرت بدقائقها المرة ثم عادت من جديد :
– ألا تأتي معي ولو لساعة واحدة فقط ؟
– فهمتك من الليلة الأولى ، لن آتي معك فدعيني أرتب عالم روايتي ، و اطمئن
سأضعك في الهامش ..
– ثماني ساعات مرت من دخولها عليه ثم عادت للمرة التاسعة ..
– بنفس الملامح (حزن)
– بنفس الفستان السكري (يأس)
– بنفس الشمعة المضيئة (ذكرى)
– فتحت الباب بهدوء وبلا استئذان وهمست :
– كان نائما على كرسي المكتب المتحرك لكن رأسه منحنيا للخلف ، مفتوح الفم ، مغمض العينين ..
– اقتربت من كرسيه بعد أن وضعت شمعتها بكوب القهوة الفارغ لتقف بشكل مائل ..
– نادته هامسة حتى لايغضب :
– زوجي الأديب اكتملت روايتك أم لا ؟
– هزته قليلا لم يستيقظ .
– أعادت رأسه بهدوء بيد واحدة على طاولة مكتبه يشبه وهي تتأمله طالب المدرسة يخفي رأسه إذا أراد أن يبكي على الطاولة ..
– رفعت الشمعة قريبة من فمها ونفخت عليها ثم أمسكت بالشمعة من فوق ومن تحت بكلتا الكفين حتى تسهل العملية..
– ضربت الشمعة بفخذها بلا رحمة فكسرتها وتناثرت..
– بهستيريا وبصوت يوقظ أهل الكهف :
– كسرت قلبك كما كسرت قلبي !!
– استيقظ زوجها من نومه الثقيل ، وطقطق أصابعه ، وقال :
– أنا سأكسر قلبك..
– أنت طاااالق ..

* مجرد خدعتين ياقلبي..( 3 )
– يعشق اسم سعيد ..الياء ناعمة لعله يكون سعيدا في يوم من الأيام القادمة .
– كل صباح يقوم والدموع متحجرة في عينيه حتى لوكانت السهرة البارحة في استراحته المملة ، وروتينها القاتل قد كسره ضيف خفيف الدم يمنحها بعض الدفء والمتعة .
– الذاكرة مثخنة ببعض جراحه وذكرياته التي لايريد تذكرها أو مشاهدة أشخاص يذكرونه ..
– سعيد يسعى إلى السعادة في وظيفته الشريفة ، فهو معلم قضى في سلك التعليم أكثر من عشرين سنة ، عمره الذي يفتخر به أما ولادته فعجب عجاب !!
– الولادة بمدينة شرقية والانتساب لمدينة شمالية كأنها السكين التي قسمته نصفين .
– قلب في الشرق وقلب في الشمال ليته يبكي لكنه تعود كتمان سره ودائما يردد اقضوا حوائجكم بالكتمان .
– له تجربتان أو دمعتان او جرحان لافرق فهو فيلسوف تعيس لكن دعوني أشرح لكم ماقاله سعيد لي :
– الخديعة الأولى :
– في عمر يفوق الثلاثين بثلاث سنين خضتها أنا تجربة كتجربة الطفل البرئ .
– له قلب طاهر مفعم بالحب وعالم رومانسي قد صنعه بتجرد وبأحلام اليقظة كعادة الشباب أمثاله .
– صدمة رأي والدته بعد الزيارة الأولى :
– بني لم أر إلا العينين فقط لكنهما جميلتان ، ويبدو أن الحياء منعها ..
– أخشى من شئ آخر ياأمي .
– مثل ماذا ؟
– الجمال معدوم .
– بني الأهم الدين ، والبنت مدحت بدينها لكن عيونها لاأخفيك أشعرتني ببعض الخوف والحيرة .
– على بركة الله .
– سعيد عاش كما قال لي :
– أفضل أيام عمره فقد تمكن أخيرا من النظر إلى عينيها وإلى بشرتها البيضاء .
– فاقت سنوات عمره الثمانية كان يشفق عليها اكثر من حبه لها راض بحظه ، فهو يقنع نفسه دائما بجمال عينيها فقط .
– أتت الوظيفة لزوجته فانقلبت حياته رأسا على عقب .
– قالت بود بعد أن طبعت قبلة على خده المحروق :
– مالمانع رزق من الله ، نقول له : لا ..
– ثم ألا تريد أن أساعدك ، فأنا وانت واحد ..أليس كذلك ؟
– قامت عنه سعيدة بخبر وظيفتها أما هو فقد هجمت عليه ذكرى تثقب عقله وتحطم امله ..
– ولدي – بعد أن امسك بكف سعيد – قبل دخولك على زوجتك ابتعد عن حاجة المراة ، ولاتقبل منها اي مساعدة .
– فهمت ..
– احذر من المراة فهي العدو الوحيد الذي تضمه بالليل ، وأنت محتاج له ..
– داعبته : وأمي كذلك .. ابتسم ، وقال :
– هنا مكانها ..ليست مثلهن .
– والدي من بيئة أخرى.. لابد انه مخطئ ..نعم انا وهي قلب واحد ..
– بدا مسمار التغيير يدق في حياتي بلاتوقف مع حضور الاطفال ..طلبات الخادمة ..فضلا عن المشاكل بينها وبين زوجتي التي لاتتوقف بسبب مسحة الجمال البسيط للخادمة .
– برودة الحب تلفح حياتي بعد ثماني سنوات انتهت بطلاق عاطفي امتد لعشر سنين كان من نتائجه مايلي :
– لو سمحت – بدون قبلة – أريد مالي الذي دفعته في البيت !!
– لكن أنت أعطيتنيه مساعدة لا سلفا !!
– تريدينه من اجل زواجي صح ..
– نعم ..
– أين القلب الواحد ؟
– تخيلتها بوشاحها الأحمر لاتظهر سوى العينين هتفت لها :
– أتت الوظيفة بعد الأطفال إذن مهمتي انتهت تقريبا ..
– أرضاها بالشيك المصدق ، واسعد سعيد قلبها السعيد بالوظيفة .
– وبدأ الطلاق العاطفي يلفح حياته ..
* الخديعة الثانية :
– هل صحيح أن الأولاد تضعف جذوة الحب ، قال سعيد : أنا أحس أني تزوجت من خارج البلاد .
– مد له صاحبه فنجانا من القهوة العربية ، وقال له مستغربا :
– كيف ؟ اعرفهم من ..ومن..وأخذ يفصل نسب القبيلة .
– لحظة لم اقصد هذا ..اقصد أنا ومن بعدي الطوفان .
– قبل أن يهرب سآخذ من اللحم ، وأطعم إطفالي بعد أن يقع الجمل !!
– بعد سنين بائسة كاملة ، هرب سعيد من الخدعة الثانية ، وبدأت قصة الطلاق العاطفي تعود مرة أخرى ..

* طعنة غائرة موجهه لقلب سعيد :
– عذرا .. طلب مني سعيد عدم السرد كثيرا ، فقد اكتفى ونزلت دموعه أخيرا في مخبئه الصيفي والشتوي .
– تطارده ذكرياته التي يعيش منها وفيها وعليها !!
– ابتعدت عنه ، لا أعلم أين الخطأ في انحراف البوصلة في سعيد صديقي أم في القلوب الأخرى التي لم تفهمه ؟!

* سيارة الأستاذ سليم لا ..(4)
(عندما ترمي الأقدار في طريقك حجرا أوريحا شديدة ، فلابد لك إما القفز أو الانحناء حتى لاتؤذي نفسك أو يخسرك من يحبك.. )
– كان الأستاذ سليم خريج كلية المعلمين قسم اللغة العربية ، مهووسا أو مفتونا بقراءة الروايات والمسرحيات .
– يكره النحو وجفافه ، متوسط الطول ، معتدل الهيئة إذا مشى ينظر للأسفل ..دعوني اتوسع في الشرح قليلا :
– بيته : اقترضه من البنك.. في كل نهاية شهر تصله رسالة ثقيلة على نفسه ، تم خصم القسط ، نتمنى أن تحوز خدماتنا على رضاك ..
– يهز رأسه بأسف ، ويقول الأستاذ سليم :
– لا أظن .. وإذا صحا فتية الكهف أسدده بعد خمس وعشرين سنة تنتهي اللعبة .
– زوجته : غلطته وندمه الشديد ليس لها ذنب ، فهي ارتبطت به منتظرة فارسها المدجج بالسلاح ، وفرسه الأبيض .
– يجعله هذا الأمر يتكلم كثيرا مع تحريك اليدين .
– هي بالمناسبة معلمة مثله .. وفي نفس الحي توجد مدرستها كما توجد مدرسة زوجها .
– نعيق الغربان يخيفها ، وتظل تهجس في هذا الصباح المر :
– بياالله صباح خير ..
– طالباتها يحفظن لزمتها الشهيرة (ولا نفس .. ولاصوت ).
– سهلة الاستثارة من قريباتها ..أبنائها ، ولايوجد عمق في أرائها ، فكل من يضحك في وجهها تظنه محبا لها .
– مدرسته :
– (كان عليك أن ترحل من المدرسة )
– مديرالمدرسة رجل أنيق يلبس الشماغ بطريقة مميزة بحيث يكون مقدمته شبيه برأس الكوبرا ، مدرسينه يقلدوه بشغف .
– المعلم (1 ) في غرفة المعلمين :
– ماتلاحظون الأستاذ سليم لوتسأله أي سؤال عن حاله ..قال : لا ..مامرة يقول : الحمدلله .
– المعلم 2 :
– ياناس اتركوا الرجل ، والألقاب حرام ، مرة احد الزملاء قال له مداعبا : أستاذ سليم لا !! ولولا تداركنا للأمر لحدث مالاتحمد عقباه ..
– المعلم 3 :
– أمره غريب ، كلامه أكثر من صمته ، كأنه يحاول أن يسكت نفسه ولايستطيع ..
– لحظات صمته القليلة فقط بعد فسحة طلاب المدرسة ، عال الثقافة ، مرهف الإحساس ، إذا تكلم كأنه يشاهد شخصا آخرا معك ..في داخله سر لايعلمه إلا الله ..في مراته القليلة اعترف لي قائلا :
– أحيانا أندم على فعل شئ ، والغريب أعلم قبل فعله أني سأندم ، فلماذا أفعله ؟!
– جاوبته وأنا لم أفهم كلامه :
– بلا أعلم !!
– المعلم 2 :
– كيف يحتفظ بسره ، وهو كثير الكلام ؟
– المعلم 3 :
– ياغبي ..يتكلم بما يريد هو لا بما نريد نحن .
– مرة رايته قد خرج من الصف الرابع ممسكا بإذن طالب فتدخلت لعلي افهم القصة ، قلت له :
– خير أستاذ سليم ، قال : هذا الطالب يناديني بأستاذ سليم لا ..
– انطلق مكملا سيره ترتعش اصابعه هو وتلميذه باتجاه غرفة المرشد الطلابي .
– يعني ترى مديري العزيز أن الرحيل من المدرسة أفضل لي ..
– بالتأكيد أستاذ سليم ، الضغط شديد عليك ، حصص ، وطلاب ، وتعليقات زملاءك البريئة التي تغيضك ..حقيقة أنصحك – والرأي لك – أن تطلب مدارس أخرى مع شرائح .
– قبل استئذانه من مديره دخل زميل مقرب للأستاذ ، وقال :
– عفوا لدخولي ، وقطع حديثكما ولكن أرغب في الأستاذ سليم على انفراد ..
– أستاذ سليم زميلك يطلبك تفضل ..
– قبض زميله على يده بشدة وأخرجه ثم همس له :
– ياصديقي سيارتك تشتغل بمواقف المعلمين ..الشمس حارة ، لاتشتعل نارا عليك .
– ماذا ؟
– انطلق بسرعة حتى وصل إلى المواقف ، فرأى سيارته في حالة يرثى لها ، ترتعش والدخان يخرج منها ، مفتوح باب السائق .
– هي تشتغل من الصباح وحتى خروجه من غرفة المدير !!
– قال له زميله المقرب إليه عندما اقترب منه :
– أستاذ سليييم لا ، لقد نسيت نفسك قبل سيارتك ، ولم تتذكرها على الإطلاق !!

بقلم : ناصر ناهي الشمري

أكتوبر 3rd, 20181454

اكتب تعليق