هو يترك مدينته الخرساء !!
الكاتب : أ - ناصر ناهي الشمري

قبل الولوج لشئ من عالمه ، اسمعوا ماذايقول الثَّلاثة ؟
– الأب : هراء..لايوجد في هذا العالم حبٌّ بلا ثمن ..أصوله شريفة دائما يردِّد لاتجوز الصَّدقة علينا شرعاً ، ثيابه بيضاء وعمامته كذلك ، وإذا سئل عن السَّبب ، قال :
– سنَّة جدِّي الهاشمي ..
– الأمُّ : الوفاء عملة نادرة في هذا الزَّمن ، صديق للبن العصفور .. تعدُّ إفطاره بعد الصَّلاة مباشرة من نفس الفرع الشَّريف ..
– هو : ساغوص بينهما ، نجحت ام لم انجح ، نجوت أم لم أنج ، ساترك مدينتي ..
* * * * * * *
– كان هو يسكن في مدينته الخرساء ، فهي لاتتكلَّم كثيراً ، تتركك وأنت في أمسِّ الحاجة إليها .. ليلاً فقط أمَّا صباحاً ، فالذُّباب كثيرٌ .. غبارٌ ، وبشرٌ وسياراتٌ ، ووجوهٌ كثيرةٌ جامدةٌ بلاحراك تحسبها ميتةً ، وهي تنتظر الثَّمنٌ لكلِّ شئٍ بدءاً من الصغير إلى الكبير ، من السُّوق إلى المشاعر ..
– أنا أمشي وافكِّر ألاَّ افكِّر على رصيفٍ منحنٍ على شكلِ قوسٍ بجانبِ جدارٍ بعضه صامد ، وبعضه الآخر متهالك ، لوحةٌ على الجدارِ فيها عبارةٌ مشهورةٌ :
– للبيع من المالك مباشرة ..
– تساءلت ببراءة أمِّي :
– هل المشاعر تباع في هذه المدينة ؟
– هل على الإنسان أن يبيع بيته لأنَّه لايشعر بالأمان والاحتواء رغم شهرة هذه المدينة قديماً ؟
– أسئلة كثيرة تدور في الذِّهن ، وكأنَّها انشئت خصِّيصاً من أجلي ، والطَّامة لاأجد لها حلاًّ فضلاً عن جوابٍ فقط الدَّوران في فلك العتمة حتى يطلَّ النُّور الَّذي يرمقني من بعيد ..
– من كثرة الجدران الكثيرة الَّتي حولي ، والإسمنت الأسود الصَّلب تحت قدمي ، تحاصرك كالقفص كالدَّوامة ، تبدأ تشكُّ أنَّ مشاعرك جزءٌ منها ..
– الصَّمت ديدن الحيارى يابنيَّ .. أحبُّ أبي ولا أحبُّه .. جزءٌ من تفاصيل الحيرة لديَّ على الأقل .
– يستند على جداري ، وأنا أمرُّ من جانبه ، متعبٌ مكدود ، يلبس لباساً بسيطاً يدلُّ على حاجته وعفَّته ، ممدودُ الرِّجلين ، ويتكلَّم بصعوبة بالغة ، سألته بقلق :
– مابك ؟
– لا استطيع المشي ..أنا أمووووت .
– كلمة الموت تعبث بأحشائي معاركاً من القرقرة الطَّاحنة .
– حاولت أن ارفعه ليعاود المشي لكن لم استطع .
– تذكَّرت أمِّي حين أرفعها واجلسها ، فترتطم مؤخرتها على الأرض ، وأقول لها مواسياً : فديتك عسى ماتألمتِ ..عندما يأست منه اخرجت جوَّالي ، واتَّصلت على الإسعاف فردَّ عليَّ موظفها :
– قل للشَّخص يملك تاميناً صحيّاً أم لا ؟
– اجاب بهزِّ راسه من اليمين إلى الشِّمال ..
– أكملت المشي ، وأنا أشاهده ، لست مستعدًّاً ان اسمع طلبات موظَّف الإسعاف .
– انحنى على جانبة مستنداً على ذراعه الأيمن بهيئة النَّائم ، فقلت : الحمدلله نام ..
– على الرُّغم من أنِّي نمت مبكِّراً في مدينتي لكن كابوس الرَّجل المنحني على ذراعه أرهقني نائماً وجالساً ، فقمت من كرسيِّ الإفطار إلى الباب اتنفَّس ، واملأ رئتيَّ من نَفَس الفجر بسبب رعاشٍ أصاب أصابعي ، أخذت المعلومة من طبيبٍ ملتحٍ يهتمُّ بالطِّبِّ النَّبويِّ ..
– وانا أمارس طقوسي ، واحاول أن أشغل نفسي بعد الكابوس ، اقترب من عتبة الباب طفل في السَّادسة أو السَّابعة من عمره ، اعرفه ليس بأعور لكن عينه اليمنى مغلقة ، وله اسم لاادري اهو اسم أم لقب ؟
– يدعى ( شرف) ، ويدرس بمدرسة الحيِّ ، بادرته :
– سلام ياشرف ، مالذي اخرجك مبكِّراً قبل طابور المدرسة ؟
– لم يردَّ عليَّ بل ضحك ، واخرج من جيبه ورقة صغيرة مطويَّة كنت أظنُّها شطيرة ..
– ماهذا سألته بفضول ؟
– فتحها ، وقال : صدتُّهما اليوم !!
– عصفور بجانبه عصفور آخر .. الملامح هادئة .. سكينة الموت ترفرف عليهما ..
– لأ اعلم هل هما يحبَّان بعضهما ؟!
– هل هما غريبان في هذه المدينة الخرساء ؟!
– هل هما مهاجران ، ووقع حظُّهما على هذا الأعور المجرم ؟
– الغريب أنَّه يضحك ، بيده اليمنى الجثتين ، وبيده الأخرى أداة الجريمة .
– وضعهما في جيبه ، وعاد إلى البيت ، يقفز ويركل حجراً وضعه حظُّه التَّعس أمامه ..
– عدت وانا بين المنحني والقاتل الصَّغير ..الآن تذكَّرت حالة شرف ضحيَّة الحفلات السَّاديَّة بالمدرسة ، ومشرفها مدرِّس متزمِّت قاسٍ أو مدير غبي لايضحك ، أو اب مدمن ..
– عذرتك لامحالة ، لم أستطع أن افطر ، قمت لعلَّ الألم يخفُّ قليلاً ، وافطر بالدَّوام مع زملاء الإرشيف الخمسة ..
– مدينتي لها قلب قطَّة جميل لكن على الغرباء فقط امَّا أبناءها ، فلا تتحمَّل منظرهم لذا تأكلهم رحمةً بهم ، وإذا لم تأكلهم أسلمتهم للضَّياع والأخطاء المتكرِّرة ، مرَّة قالت لي أمِّي ناصحة :
– لاتدع أحداً يدخل قلبك حتَّى ولو كنت أنا !!
– في شقَّته الصَّغيرة القديمة المكوَّنة من غرفتين ، وصالة صغيرة وحمَّام .
– لايسمع إلاَّ أصوات القطط والكلاب تؤنِّس وحدته بعد وفاة والديه .
– اعتاد هو أن يدعو زملاءه الخمسة بدلاً من القطط والكلاب ، فهم سلوته حتَّى آخر يوم في حياته وحيداً .
– لايحضر احد من زملائه .. يقول :
– قهوة وشايٌّ عندي ، ماذا يريدون أكثر من ذلك ؟
– لابدَّ من عشاء وخروف مشويٍّ !!
– الكلاب والقطط خير منكم .
– فتح باب الثَّلاَّجة المستعملة ، يعلو أطرافها السُّفلية الصَّدأ والأوساخ فضلاً عن الماء الخارج منها .
– اخرج أكثر من علبة تونة صغيرة ، حملها بعد فتحها ، واتَّجه ناحية الباب ماإن خرج وابتعد عن الباب ، وراته القطط والكلاب حتَّى هرعت إليه بسرعة لدرجة أنَّه رماها على الأرض من الخوف ، وقال : و أنتم أيضاً ..
– أنا لا املك سيَّارة ، وحضوري لأرشيف الدَّائرة الحكوميَّة بسبب شهامة أحد هؤلاء الخمسة ، فلماذا لايحضر هذا الشَّهم لدعوتي !!
– يرجو من مدينته ان تهبه قلبها ، ولاتتركه كما ترك الرَّبيع شجر اللَّبلاب ، فمات من مدَّة.. تبتلعني هذه المدينة بفيضانها المروِّع .
– هل أستطيع الخروج منها ؟
– سيبقى شامخاً بين زهور شقَّته المنصوبة على نافذة غرفته ، يخاف عليها .
– كلُّ صباح يطرد الذُّباب عنها .. يكره البحر كما يكره الذُّباب ، ويخلط متعمِّداً بين الحبِّ والوفاء ..نعم حبٌّ بلاوفاء .. غيم بلامطر ..
– جهَّز مجلسه الوحيد ، وبخَّره بالعود الأصليِّ الكمبودي انتظاراً لزملائه الخمسة ، يقاوم بهم السَّهر والارق والوحدة .
– في كلِّ لحظة ينظر من النَّافذة ، ويسأل مالَّذي أخَّرهم قبل رحيلي المحتوم عنها ؟ وعن ذكرياتي فيها .. ياه لو اذهب وقصص الرَّحيل في جيبي ، سأقرأ هذه القصص بالطَّائرة ..
– أحبُّ صوت الجرس يشبه صوت نغمة بوَّابة المطار .. قلبه يصطخب ، وينبض بهدوء ، تاكَّد من هيتر القهوة والشَّاي وتذوقهما مرَّة أخرى ..
– هو يمهِّد لحديثة ، وحواره معهم ، وقصَّته مع شرف ، وعن آخر مشاكل الإرشيف ، وطلباتهم التي عرضت على مديرهم الشاب المثقَّف ..
– من ضمن طلباتهم تغيير مكان الإرشيف من القبو إلى أعلى ، وكما قال صاحبه الشَّهم :
– لم يبق إلا حذف الواو ، وتجعل مكانه الراء ، فيكون قبراً ، نحن تحت الإسفلت ، وعند نزول الأمطار ، فقل على الملفَّات الخضراء ، والأدراج السَّلام .
– أرشِّحك أيُّها الشَّريف أن توصِّل طلباتنا البسيطة للمدير ..
– لا ..
– لماذا ؟!
– تذكر دخوله علينا بلاسلام ..كلُّكم قيام كأطفال المدرسة إلاَّ أنا .. من بعد ذلك جعلني في القائمة السَّوداء ..
– مرَّت ساعات اللَّيل تباعاً ، زملاؤه الخمسة لم يحضروا ، تافَّف بحرقةٍ ، وقال :
– تخيَّل أن تعيش وحيداً .. تاكل وحيداً .. تبكي وحيداً .. تستعيد عافيتك أو تظنُّ انَّك استعدتها ، تتمنَّى أن يتَّصل عليك أحد أوتتَّصل عليه قبل نهاية الرَّصيد ، ويدعوك لرحلةٍ بريَّة تودِّع عندها آخرماتيسَّر من حزنك المعتَّق .
– ثمَّ ماذا؟
– تضربك هذه المدينة القذرة بسهم الغربة الذي لايرحم ولايخطئ ..
– في ليل نجومه تصرخ من البكاء كما يصرخ شرف عندما يلسع يده خيزران معلم لين ملمسه أوعقال أب مدمن ، لوَّن جسده بالسَّواد .
– لماذا انتظرهم كلَّ ليلة ؟
– اتخيَّلهم ، واربط سعادتي بحضورهم ، لابدَّ لي من المشي حتَّى أنسى ..
– خلع ثوب النَّوم ، ولبس ثوب الخروج للشَّارع .. للبشر ، لايدري اين يتَّجه شمالاً أم يميناً ؟
– اللَّيل ضياع للمهج والرُّوح بلا كواكب فقط نجوم حزينة تعزي من ينظر لها أو ينتظر منها ان تساعده ..
– سار حيناً يسرع وحيناً بهدوء .. يطبع النَّظرة الاخيرة على جدران الشُّقق ، والفلل ، والبيوت الشَّعبيَّة ، والسَّيَّارت الواقفة تشمت به على الأقل هي تنام وهو لاينام ، لايملك سيَّارة تقله ، ولولا احد زملائه يحمله معه لدوامه لتعرَّض للفصل بسبب الغياب .
– مشي في مشي ، وعذاب في عذاب حياته ، خيِّل إليه أنَّه يسمع وقع أقدام خلفه ، انتبه على صوت صفَّارة العسس :
– من هناك ؟
– أنا ..
– قال له جندي العسَّة الكبير بالسِّن ، وهو يلهث من الخوف والعرق :
– ممنوع الخروج والتَّجول في هذه الاوقات ، تريد أن أذهب معك ..
– لا .. شكراً استطيع الذَّهاب لوحدي ..كذب هذه المرَّة بل يريده أن يجلس معه ، ويتحدث معه ، ويبثه لواعج شجنه ، وذكرياته الماضية .
– حمل القهوة وإبريق الشَّاي ، وبقرب عامود للإنارة حفر حفرة دائريَّة ، وافرغ محتوياتهما ثم دفنهما كما يدفن الموتى السَّائرين في درب واحد .
– اعلم بمصيري ومصير زملائي الخمسة ، ولكن أنا مكابر ومهاجر ..
– سأترك مدينة الصَّمت والخرس ، وبلاحقائب ، لااريد ان أتذكَّر ايَّ شئ منها ، ولولا حيائي لمشيت إلى بوَّابة المطار عارياً من كلِّ شئ حولي ، وفي داخلي قلقاً ، لايمنع من السَّهر اللَّيلة .
– اكتب لوحتي بخطِّ الرِّقعة من المالك مباشرة ، وبعدها احجز تذكرة الهروب والوداع يامدينتي المغوية ..
– من نافذة الطاَّئرة يراها لآخر مرَّة ، يوجد في حضنه خطاب نقله من مدينته الَّتي اختارها ، واخطأ في اختياره كعادته ..
– عند وصوله لمدينتة الأخرى الَّتي اختارها بعناية ، احسَّ بفرح وهياج طفوليٍّ قبل أن ينزل من الطاَّئرة بلا حقائب ولاثياب جديدة .
– التزم بباص الطَّائرة المؤدِّي لصالة المطار من الحماس بقي واقفاً على الرُّغم من وجود مقاعد خالية .
– الباص يمشي بهدوء .. بوَّابة الصَّالة المهيبة والمليئة بروائح الوجبات السَّريعة .
– روائح المطاعم حرَّكت عصافير معدته لكن لفت انتباهة انَّ المستقبلين له في الصَّالة أكثر من شرف ، وأعينهم اليمنى جميعها مغلقة ، يضحكون ويرفعون كفوفهم مرحِّبين به !!
– من لحظة الاستقبال انطلق يتجوَّل في مدينته الجديدة ، يتكلَّم كثيراً بسبب وبدون سبب مع سائق التَّاكسي حتَّى أضجره .
– رأى شرفاً في كل مكان :
– امام إشارات المرور ( تسول)
– حسنة لله تدفع بلاوي ..
– ممرات الأرصفة (ماسح حذاء)
– مركون في إحدى الزَّوايا ، ويصيح :
– مسحت حذاءه ، وركلني بقدمه ..
– بوَّابات المول (بائع مناديل )
– المحارم بريالين ياعمِّي حبَّة واحدة ..
– عاد بعد سنة ، ووقف بصالة المطار الذي استقبله سابقاً .. حجز تذكرته إلى مدينة أخرى .
– يتنقَّل في كلِّ مدينة يختارها كطائر النَّورس المهاجر لايقف على شاطئ واحد ..
* * * * * * *
– سؤال أخير يختصر الكثير :
– س : شرف .. من أنت ؟
– ج : بطل قصتك ياغبي … أنا في انتظارك لاتتأخَّر .. !!

نوفمبر 28th, 20181163

اكتب تعليق