كفى حرقاً لمراكب العودة يا قطر!
الكاتب : اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

ليس ثّمة شك أن الجميع  من أهل السياسة والإعلام أصبح مقتنعاً اليوم  بأن قناة الفتنة القطرية أنشئت خصيصاً لتكون رأس حربة متقدمة في دور قطر في خدمة أجندة (الفوضى الخلاَّقة)، كما ثبت بالقرائن والحقائق المادية  الملموسة من خلال طائراتها التي عبرت الأجواء محملة بكل أسلحة الموت والخراب والدمار التي أرسلتها إلى دول (الخريف  العربي ) من سوريا  إلى لبنان فمصر ولبنان  واليمن ؛ فضلاً عن أرتال الحقائب المحملة بملايين  الدولارات التي  أرسلتها إلى عملائها في تلك الدول من خلال عمليات  غسٌل أمول قذرة، بحجج واهية  تحت عناوين  مكشوفة لكل من كان له أدنى اهتمام بقراءة بوصلة الخارطة السياسية  في المنطقة،

وما يراد  لها ومايخطط  بدعم أدوات الهدم والخراب والدمار مثل قطر.

وعلى كل حال، ليس الأمر  سراً أو رجماً بالغٌيب بل مسجلاً بالصوت والصورة في قناة الفتنة وأخواتها، كما جاء في حديث  (الشٌيخ) حمد بن جاسم آل ثاني ، رئيس وزراء قطر الأسبق ووزيرها خارجٌيتها، الذي أجاب بالحرف عندما سئل عن سر تدخل قطر السافر في  شؤون تلك الدول المنكوبة وإصرارها على تأجيج نيران الفتنة فيها  بذلك (السخاء) المنقطع النظٌير ، أجاب قائلاً: (هذا الدور كان مطلوباً مّنا أمريكيّا).. وعلى كل حال، ما قاعدة العديد  ببعيد !.

أقول، ليس ثمّة شك أن الجميع  أصبح يٌدرك اليوم هذا الدور القذر النتن لقناة الفتنة في تحقٌق نظريّة  (الفوضى الخلاقة) في المنطقة، خدمة ً لأجندة الغرب، إلا أن المتابع للشأن السياسي والإعلامي يُدرك مدى هذا

الحقد الدفين والابتذال والنذالة والانحطاط الأخلاقي في الكذب والتلفٌيق على بلاد الحرمين وقادتها وشعبها، لاسيما  منذ حادثة الأخ جمال خاشقجي  رحمه الله، في الثاني من أكتوبر الماضي .

فمنذ يومئذٍ لم يكن لقناة الفتنة شغل شاغل غير اجترار ما يرتبط بتلك الحادثة المؤسفة، كما وصفها الأخ الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع؛ والنفخ في نار الفتنة لتأجيج العالم ضد بلاد الحرمٌن، دون أدنى مراعاة لأخلاق المهنة التي يتشدق بها العاملون (أقصد العملاء) في قناة الفتنة صباح مساء ، أو مراعاة

لمشاعر عائلة الأخ جمال خاشقجي رحمه الله.

وللأسف الشديد ، في  اليوم  الذي أشيع فيه أن قطر لم تحرق مراكب العودة إلى الحضن الخليجي إثر انعقاد قمة دول مجلس التعاون التاسعة والثلاثين  في عاصمة عبد العزيز  برئاسة خادم الحرمين  الشريفين ، والدنا الملك سلمان بن عبد العزيز  آل سعود، حفظه الله ورعاه وسدد  على طريق الخير خطاه، فاجأتنا قناة الفتنة بما قالت إنه (فٌلم وثائقي ) في برنامجها (ما خفي أعظم)، بثته مساء الأحد 1441/4/9هـ، الموافق 16-13-2018 وما تزال تنفخ في ناره من خلال مختلف برامجها حتى كتابة مقالي هذا ، زاعمة أن فيه شاهداً  خطيراً يدعى بوول برايل ، صاحب شركة أمنية  فرنسيّة  خاصة، زعمت أنه قاد عملية  تطهير  الحرم المكي الشريف من براثن الجهيمان وزبانيته  عام 1979م ، بالتزامن مع اندلاع الثورة الخمينية  في إيران والتي جلبت كل هذا الخراب والدمار على المنطقة والعالم. وعلى كل حال، أذكر أنني كتبت مقالاً وافياً  عن هذا الموضوع تعليقاً  على ما قيل  إنه (فيلم  وثائقي ) أيضاً، بثته إحدى أخوات قناة الفتنة (الـ BBC عربي ) ونُشر عبر أكثر من وسيلة إعلامية، أذكر منها صحيفة الوئام الإلكترونية  التي نشرته يوم  الخميس

1432/11/19هـ، الموافق 13-7-2017م تحت عنوان: ما هكذا يتحقق  السبق الصحفي يا الـ (BBC).

والحقٌقة لا بد لكل من تابع الفٌلم المزعوم جيداً أن يدرك مدى هذا الكذب الفاضح الصارخ، والتلفٌيق والابتذال والضحك على العقول، تغذيّة لنيران الكراهية والحقد والحسد، بهدف إثارة الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار في الدول التي اتهمها الفيلم الوثائقي باستئجار المرتزقة (بوول برايل)،ليس بتغيير النظام في قطرفحسب، بل بتهديدوجودهاوضِّمهاإلى

السعودية  لتصبح (المحافظة) الرابعة عشرة.

أقول، من تابع الفيلم لا بد أن يدرك مدى هذا الدور السرطاني الخبيث لآلة الفتنة القطرية الهدامة في الدوحة، لما حفل به من مجموعة مغالطات واضحة، أوجز أهمها في :

1-زعم ُمِعد الفيلم ومقدمه (تامر المسحال)، أن بوول برايل هذا شخصية أسطورية خرافية، له قدرة خارقة على الاختفاء عن الأنظار وحماية نفسه حتى من أعتى مخابرات العالم، وهو متورط في قضايا قذرة كثيرة في كثير من دول العالم، لاسيما في أفريقيا والخليج؛ ومع هذا أستطاع تامر الوصول إليه في الجنوب الفرنسي، لكنه لم يشرح  لنا تلك العبقرية التي قادته إلى رجل عجزت الـ (CIA) و (KPJ) و الـ (MI6) عن الوصول إليه. وهذا يضع علامة استفهام كبيرة يفهمها كل لبيب.

2-زعم الفيلم أن بوول برايل جاء من فرنسا بطائرة محملة بالأسلحة على متنها (41) مرتزقاً فرنسياً، لتحط في مطار أبو ظبي ، بعد أن تسللت خلسة هكذا من مطار شارلي ديغول في باريس، من دون علم الرئيس الفرنسي وقتها. (جاك شيراك) أو وزير الداخلية أو رئيس الاستخبارات أو وزير الدفاع، أو حتى السلطات الأمنية  في مطار كمطار شارلي ديغول.. فأي مغفل ٌيمكنه تصديق هذه المزاعم غير قناة الفتنة؟!.

3-زعم الفيلم أيضاً أن السعودية  طلبت إلى المرتزقة بوول برايل اختبار مدى جدية الشيخ خليفة بن حمد رحمه الله، في تبعيته لها بعد إعادته إلى الحكم في قطر.. فمن يصدق غير قناة الفتنة أن دولة تحترم نفسها مثل السعودية التي يعرف قادتها الكرام كافة شعوب المنطقة وقبائلها وأفخاذها وبطونها وعائلاتها وأسرها، تحتاج إلى نكرة مثل برايل هذا لكي يساعدها في مهمة كتلك؟ 

بل من يصدق  أن دولة كالسعودية قدم لها صدام حسين عام 1991م، الكويت على طبق من ذهب، ومع هذا أصرت على خروجه من الكويت قبل انسحابه من الحدود السعودية.. وبقية القصة معروفة. بل من يصدق أن دولة كالسعودية يقول قادتها عن الكويت  بعد احتلال صدام حسين لها: إذا كانت السعودية هي العين، فالكويت هي سواد العين.. من يصدق أن الأخ الأكبر يمكن أن يطمع في أي واحد من إخوته مهما كانت الظروف.. غير  قناة الفتنة؟!

4-ومما حفل به الفيلم من مزاعم، أن المرتزقة (الأسطوري الخرافي) برايل هذا، كان يدِّرب جنوده في الطابق العلوي بأحد فنادق أبو ظبي بعد أن خزن  فيه  (31) طناً من الأسلحة الثقيلة؛ فمن واقع خبرتي عسكرياً تشرّف بالخدمة في الجيش العربي  السعودي الباسل، أعرف أن الفنادق والمنتجعات يكن أن تكون مكاناً رائعاً للتفكير السياسي  والتخطيط الإستراتيجي ، غير إنها لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال ميداناً للتدريب على الرماية بأسلحة ثقيلة أو حتى أسلحة خفيفة، لأسباب واضحة يطول شرحها.. فمن يصدق هذا غيرك يا قناة الفتنة؟!

5-كما جاء في الفيلم إياه من مزاعم، أن دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، منحتا برايل ومرتزقته الجنسية وبطاقات إقامة، بعد أن تم تغيير أسمائهم إلى أسماء عربية، وأُعطوا زيّاً عربياً أيضاً.. وتكمن هنا أكثر من مغالطة ،

أولاً: من يحمل جواز دولة ما، لا يحتاج  لحمل بطاقة إقامة فيها، لأنه أصبح مواطناً أصٌلاً، بصرف النظر عن كيفية حصوله على الجنسية ، يتمتع بكافة حقوق المواطنة، وتترتب عليه كل واجباتها. 

ثانياً : صحيح، يمكن تغيير الاسم والملبس، غير إنه يستحيل تغيير اللسان والسحنة بجرة قلم هكذا على جواز.. فمن يصدق هذا غيرك ياقناة الفتنة؟!

6-ومن مزاعم الفيلم إ ياه أيضاً ، أن برايل هذا دخل ميناء قطر قادما من البحرين عبر الخليج العربي ، من دون أن يكشف أحد أمره، تماماً مثلما انسل بطائرة محملة بالأسلحة والمرتزقة من مطار شارلي ديغول في باريس.. فأي عقل يمكنه  تصديق مثل هذه المزاعم الرخيصة غير عقول كوادر قناة الفتنة ورعاتها؟!

7- أخيراً، زعم الفيلم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك اتصل شخصياً بزعيم المرتزقة برايل في اللحظة الأخيرة من ساعة الصفر لتنفيذ العملية، قائلاً: لا تورط فرنسا في حماقة.. فأوقف برايل عملية الاستيلاء على قطر وضمها إلى السعودية.. ومرة أخرى: من غيرك يا قناة الفتنة يصدق  مثل هذه الترهات، وهذا التفكير

السطحي  الساذج، الذي يجعل رئيس دولة محترم مثل جاك شيراك، يتواصل مع زعيم مرتزقة مجرم مثل برايل، مع أن الأول لم يعرف كيف غادر الثاني  بكامل عتاده على متن طائرة من أشهر مطارات باريس وأكبرها إلى أبو ظبي ؟!

وبعد:

أقول للمسؤولين في قطر، إن كان ثمة  مسؤول يعوّل عليه: أحسب أنه يكفي حتى هنا.. فأنتم لم تحرقوا مراكب العودة فحسب، بل تصنعون في كل يوم سفينةجديدةوباخرةوطائرةومنطاٍدفضائي للتحليق بعيداً، ليس عن حضن الخليج فحسب، بل عن حضن العرب والمسلمين، والفضيلة والشيم العربية  الأصيلة، والنفس

الكبيرة الكريمة التي  تأبى مثل هذا الانحطاط الأخلاقً.. فكفى.

ديسمبر 18th, 20181206

اكتب تعليق