مرايا عارف عزيز ..!!
الكاتب : ناصر ناهي الشمري

 

– قبل أن اكتب ماأريد .. انبه إلى أنَّ الأسماء الَّتي ظهرت في هذا المقال من ذاكرتي الخياليَّة ، وبما أني محروم من نعمة الخيال .. كتبت هذه المقالة ، فاقبلوها رحمة بالسَّيد عارف عزيز !!
* * *
– أنا عارف عزيز موظف حسَّاس ، شخص انطوائيٌّ ، يقول عنِّي أصحابي بأنِّي غريب لايمكن التنبؤ بسلوكي .
– قد اهتم بأمر التوافه ، واترك المهم .. رواسب نفسيَّة مغلفة بليل أسود لايفتح بابه حتى يهدِّده صباح جميل ..
– اعيش في فلَّتي الواسعة ، كثيرة الغرف لكن لاأستطيع النَّوم برغم من أنَّ وضعي الماليِّ جيِّد .
– تزوَّجت وانجبت أبناء ، اضحك بلاسبب ، فانا أحياناً اعشق المرح ، وأكره الوحدة .
– مشكلتي السَّهر ليلاً والنَّوم نهاراً حتَّى وظيفتي بدأ الملل يتسلَّل إليَّ منها لدرجة أنِّي انتظر اذان الظُّهر على أحرِّ من الجمر برغم أنِّي محسود عليها وعلى زوجتي الموظفة ، وعلى أبنائي الثلاثة كل واحد أوسم من الثَّاني .
– أحد الاطباء قدم لي الحل بعد أن وصفت علَّتي له :
– انت تشتكي من اضطرابات النوم ، والحلّ عندي تغيير المكان ، يعني ياأستاذ عارف رحلة داخليَّة أو خارجيَّة ..
– طيِّب يادكتور مارايُّك بتغيير زوجتي ؟!
– يعني إيه ؟ تتجوَّز عليها !!
– نعم ، قلتها بالفم المليان ..
– انتفض خوفاً ، وقال :
– أنا ماألتش حاجة .. باللَّهجة المصريَّة المحبَّبة ..
– في يومٍ من الأيَّام كرهت نفسي ثم زوجتي ثم ابنائي ثم عامل النَّظافة الَّذي أعطيه مبلغاً من المال لذلك يسنتر عند الباب صباحاً .
– وقفت بعد طردي لهم أمام مرآة غرفتي ، كان البيت هادئاً ، السَّاعة الواحدة بعد منتصف اللَّيل .
– لست عارياً امام المرأة ، ارتدي ثياب النَّوم ، وانظر إلى سريري ، والمفرش الحريريِّ الفاخر المقعَّر مع المرتبة ، ظهر المرتبة منحن من ثقل رأسي ، أثاثها فاخر كلَّفني فقط ثلاثين الفاً ، فلماذا أحسُّ في هذه اللَّيلة أنَّها تتحرَّك مع الأكبات ؟!
– ادرت راسي للمرآة :
– مالذي أريده من نفسي بعد ان أصبحت وحيداً في اللَّيل ؟
– لاضجيج من الابناء ، ولا ثرثرة من زوجتي ، ولااسئلة مستحيلة الحل .
– حبٌّ يشبه الغيم ، وبلا مطر ، تخيَّل ياعارف تنتظر مطراً يحييِّ صحراء قلبك لاتجد .
– حبٌّ فوق طاقتي ، يحتاج لقلب خالٍ ، وورقةٍ بيضاء ، وقصيدةٍ تترجم حالي وحال غيري .. كلُّهم مثلي لكن الكبرياء يغلبهم .
– آه يابدر سهرانُ وحيدٌ تناجي أمَّك ، والرِّيح تطرق بابك ، ولكن لا أحداً يزورك سوى طيف أمِّك الحبيب ..
– (بدر هذا ودَّاك في داهية ) صديقٌ قديمٌ لكنَّه بغل !!
– الهواء بارد داخل الغرفة ، فنحن في بداية الشِّتاء .. الوداع ياأغسطس ..الشِّتاء حصاره مملٌّ ، يكبس على أنفاسي ، يشعرني ليله بالضَّياع ، ونهاره بالمتاهة ، فاتقمَّص قصيدة السَّيَّاب .. مطر ووحدة ، وليل بهيم لاتظهر نجومه أبدا ..
– فتحت باب الكبت ، واخرجت لباسي الثَّقيل ، وهجست بيني وبين نفسي :
– لن اجلس وأنام في غرفتي ، واتذكَّر حواري السَّابق مع زوجتي :
– هذا قرارك اللَّيلة نذهب .. ألا تتراجع عنه حتَّى تنتهي إجازتك ، وبعدها نعود إلى بيت أهلي ، فهم متعوِّدون على وجودنا ؟
– كدت انفجر ، فقلت وأنا اضغط على أسناني :
– عارف مايتراجع لا قرَّر ..
– قالت بعد ان يأست من التَّزحزح عن راييِّ :
– المشكلة اسمك عارف ولاتعرف .. عزيز ولا عزَّة لك ..
– لم اتحمَّل كلامها ، فصفعتها .. صرخ الابناء ، ضمتهم أمُّهم من الخوف ، فكانت ليلةً للوداع النَّهائي .. كأنَّها قصَّة مختصرة لاتفهم .
– ضمَّت وجهي بأصابعها العشرة تهمس بأذني :
– (حبيبي عارف ساخلد للنَّوم ) بعد كلِّ مشكلة ياتيها سلطان النَّوم يحكم عليها ، فترتخي على السَّرير ، وتئنُّ من ألم أنا لاأعرف مصدره ، ولاتعرفه هي !!
– لست نادماً أو أنا نادم لافرق ، خرجت من الغرفة .. الصَّالة.. قبل خروجي من الباب الأخير ، ربتُّ على راس قطَّتي الَّتي تتمسَّح بي ، الحبُّ عندها سمكة ، وبعد لعق يديها تنسى من أعطاها السَّمكة !!
– ركبت سيَّارتي الجميلة ، وانا في أشدِّ حالاتي توتراً واهتياجاً ..
– بخار انفاسي الرَّتيب يلوِّن زجاج السَّيَّارة الأماميِّ ، تمنَّيت ان تخرج أحزاني مثل أنفاسي لكن لاتعود ..
– هذه الدَّقائق تغيظني دائماً ، إحماء السَّيَّارة مقرف أكره الانتظار ..
– لم انتظر جلوسهم معي بالإجازة ؟
– هي ليلة فقط ثم عادوا .. وعاد قلبي معهم .. إذن لماذا طردُّتهم نهائيّاً من حياتي ؟!!
– أنا لااعرف نفسي ، ولن ادخل في بكاء متشنِّج مرير .. دائرةٌ ليس لها باب .
– قال زميلي في صباح سابق عندما جمعتنا غرفة جلوس الموظَّفين :
– أنا لا أفهمك .. ماتحبُّه غداً تكرهه اليوم .. ماتاكله صباحاً تملُّه في اللَّيل .
– يصدق عليك وصف المتقلِّب .. وتبحث الآن عن زوجة لك ..
– ومضات من حياتي السَّابقة بل محطَّات وقفت ومررت بها لكن صوت إغلاق باب جاري القويِّ ايقظني منها ، ولو لفترة محدودة ..
– سلامات ..
– كانت زوجته ترفع ابنها الصّّارخ بين يديها ..
– ابد طال عمرك حرارة وتشنُّج .
– ماتشوفون شر ..
– مايجيك الشَّر ..
– صوت صرير الكفرات يلسع اذني ، أعدُّت زجاج السَّيَّارة إلى أعلى ..
– أحتاج لهذا الحوار المختصر ، وتحتاج سيَّارتي للحرارة حتى تسير بلا هزهزة من البرد .
– مستمرٌّ بالسَّير إلى غرفة فندقيَّة في وسط البلد ..
– ملامح (جوهرة للاجنحة الفندقيَّة) يترآءى لي ، دخلتها وأنا أدسُّ كفوفي بجيب الجاكيت من البرد ، ارتبك السُّوداني ، وقام :
– مرحباً
– مرحبتين
– ايُّ خدمة ؟
– لوسمحت أريد جناحاً ملكيًّا لي وحدي !!
– يكفيك غرفة أوفر لك .
– تعلم أنَّ لي بيتاً فاخراً في ضواحي البلد !!
– لماذا تستاجر إذن ؟
– اسمح لي بالتَّدخُّل في شؤؤنك ، فانا في منزلة والدك ..
– هززت كتفي إلى الوراء ، وقلت :
– أنا عارف عزيز لكن لاأدري بصدق ..
– عندما صعد عبر الاسانسير إلى جناحه ، قال :
– شفته فين هذا ؟!
– أعطى السُّوداني عربون الأجرة ، ودخل وسط الأسانسير الفخم تلفَّت سريعاً في كلِّ جهاته الأربع ، كانت المرايا تفضحه ، وتفصِّد عرقه ، لمسها كلَّها بيده فطبعت أصابعه الخمسة على زجاج المرآة ثم اختفى ظلُّها .
– نظر إلى أعلى والاسانسير يتحرَّك بدلع وهدوء لذيذ ، مثلَّثات لامعة تجهر عيونه ..
– وصل إلى جناحه المستأجر ، كانت هناك عبارة مطبوعة ومعلَّقة على أكرة الباب البنِّيِّ المذهَّب حوافه.. (ممنوع الازعاج .. ليلة هانئة )
– دخل عارف عزيز منبهراً وملتذًّا بهواء السِّبلت الدَّافئ ، وممرَّات الجناح الكثيرة .
– قرب الفجر ، وعارف لم ينم ليلته الوحيدة ، توجَّه بسرعة إلى غرفة النَّوم ، وقال :
– متى انام ؟
– الآن استلقى على مفرش السَّرير الحريريِّ ، متعوُّد على التَّفكير والخيال فجأة سمع صوت جرس الباب الهادئ يخبره انَّ هناك طارق للباب .
– قام يلعن حظَّه وجناحه ، فتح الباب ، وهو مستعدٌّ للشِّجار مع الطَّارق ..
– صباح الخير ..
– اودُّ ان اخبرك إن كنت تحبُّ ان تسمع اصواتاً جميلة لابدَّ من تدفئة المكان بزيادة ، لأن العصافير لن تغرد عندك في الجناح ياسيدي إلا إذا أحسَّت بالدِّفء ..
– واين هي معلَّقة ؟
– في غرفتك ياسيِّدي ..
– ذهب مسرعاً إليها ، ووجدها ساكنة في زاوية الغرفة المظلمة ..
– هزَّ القفص الوردي برقَّة ، لم يستيقظ العصفوران .
– وضع أصابعه العشرة على وجهه ، وقال :
– مالفائدة إذا كان لديَّ جناحاً وفؤادي مكسور لايستطيع الطَّيران ..
– في صباح اليوم التَّالي ، ودَّع السُّوداني موظف الاستقبال بحرارة ، وأكمل باقي المبلغ الضَّخم ..
– عانقني فأنِّي مثل والدك ..
– تريد ان نتمشَّى قليلاً ..
– لكن دوامك ..
– لاتخف انتهت مناوبتي ..
– بني هل نسيت نفسك ام عنوان بيتك ام قلبك ؟
– كلُّهم ياعم حسين !!
– قبض على أصابعي الباردة ، وقال :
– عشت حياتي بالطُّول والعرض .. رعواتي .. كاتب حسابات .. أخيراً موظَّف استقبال .. مااختلَّت البوصلة عندي إلاَّ يوم زواجي أمَّا مع الابناء فانكسرت وانكسر ظهري .
– من كثرة طلباتهم .. كسرت الجوَّال غضباً ، والآن أنا ميِّت موت دماغي ، وكأنَّني على تل فلوس اسحب وقت ماأشاء ، لابدَّ من إرسال المال لهم بعد نهاية كلِّ شهر .
– التفتُّ إليه ، فحاول أن يداري دموعه ، نزلت في النِّهاية بجانب شرطتين على خدِّ عم حسين ..
– أخذ منديله من ثوبه الأبيض ، وقال :
– انا آسف ياولدي حمَّلتك همومي .
– قلت بلساني : ولو ياعم .. ومن داخلي : ليتي ماتمشَّيت معاه !!
* * *
– نكتة ليست من خيالي :
– يحكى أن الزَّوجة دخلت على عارف ، وهي تبتسم وتضحك قالت له ، وهي تصفِّق بيديها :
– اليوم يوافق عيد زواجنا ..
– مالَّذي تريدينه لهذه المناسبة ؟
– خروف !!
– قال :
– أيش ذنب الخروف على غلطة ارتكبها حماااار ؟!!
– توقيع :
– واحدحمار متزوج بغلة ..

ديسمبر 18th, 20181337

اكتب تعليق