نصوصٌ قصيرة جدًّا
الكاتب : أ - ناصر ناهي الشمري

* المصفوع ..
– قبل ان يذهب ليمارس هوايته التي يجني منها بعض القروش القليلة أحياناً ، يستعد لدهن جانب وجهه الأيمن حتى تسهل الصفعة ، وياخذ ثمنها ماتيسَّر من رزق ..
– أمر هذا الشَّحاذ يزداد حيرة في حيِّه الذي يسكن به ، فالإمام ، والعمدة ، وبعض اهالي هذا الحيِّ يستغربون من هذا الرَّجل وملابسه الرَّثة ، ووظيفته الَّتي يسترزق منها .
– بل إن جاره الملاصق لبيته يؤكد وجود أشخاص وأصوات مختلطة في بيته كما يحلف بالأيمان المغلظة ان المصفوع قد هدده – إن تكلَّم بذلك أمام اهالي الحيِّ أو العمدة – أن يسلِّط عليه كلاباً في الحلم ، وكوابيساً تلاحقه ولاتعتقه ..
– يمرُّ على المقاهي او البوفيهات حتَّى الأبواب لم تسلم من طرقه ، وإذا فتح له صاحب البيت بادره :
– اصفعني إذا كنت حاقداً أوحزيناً لتريح بالك !!
– يختلف أصحاب البيوت :
– منهم من يعطيه ولايصفعه .
– ومنهم من يهزُّ رأسه ، ويغلق الباب .
– ومنهم من يصفعه خاصَّةً المراهقين ثم يعطونه ماتجود به أنفسهم !!
– كانت حياة هذا المصفوع لغزاً شديد الغموض ، فلايعلمون لماذا يسترزق بهذه الطريقة ؟!
– وكيف وصل لهذا الحيِّ ؟!
– ولماذا ليست لديه عائلة ؟!
– أسئلة كثيرة ليس لها جواباً ، وأقصى جواب يحصلون عليه من الشَّحاذ :
– انا مخلوق بهذا العيب الخلقي ، لذا لا أشعر بالصَّفعة ، ولامانع من أن اساعد النَّاس بالتنفيس عن غضبهم وحقدهم .
– إذن انا اقدِّم مهنة سامية ، وآخذ رزقي بعرق جبيني ..
– قام في يوم صباحه ممطر ، وقد تفاجأ بالأجواء الجميلة الَّتي تفرح ايَّ قلب مهموم .
– نظر للضَّباب والرَّذاذ المنعش ، فازداد تعاسةوهمًّا ، قال :
– راحت علينا ، ماراح ألقى احد زعلان ..
– في صباح اليوم التّالي كان الجوُّ مشمساً والشَّوارع مغسولةً بمياه الأمطار والأمل لكن عمدة الحيِّ والشُّرطة والجيران مجتمعون عند بيت المصفوع ، فقد انتشرت شائعة بان عنده حزماً من النُّقود ..
– وقف الضَّابط موضحا ، وهو يحرِّك يديه :
– ياجماعة مافي داعي للتَّجمهر هي مجرد تحقيقات للتَّأكد من مصدر النُّقود الكثيرة التي وجدناها عند المصفوع إذ ربَّما تكون من السَّرقات الَّتي قيِّدت ضد مجهول عموماً المتهم برئ حتَّى تثبت إدانته .
– تحرَّك جيب الشُّرطة ، وشوهد المصفوع من الزُّجاج الخلفيِّ ، وكأنه يدعو عليهم ، ويحرِّك شفتيه بغضب ، وواللُّعاب اللَّزج يتطاير من شدقيه ..
– قال سائق الدَّورية :
– الزم الهدوء ..
– كان المصفوع دائماً يتململ حتَّى اضجر المحقق ، فضرب بيده على الطَّاولة ، وقال :
– اسمع انا ماانا فاضي لك ، قبل ليلة تمَّت سرقة بيت بجانب بيتك ..
– ردَّ عليه المصفوع بحدَّة :
– وش دخلي أنا ؟
– ناس تسافر ، ولاتقفل باب البيت لكن قلِّ :
– شكلك ضايق ومتوتِّر ..صحيح
– نعم .. صحيح !!
– اصفعني عشان ترتاح من جهة الخد الأيمن ..
– انتهى التحقيق مع المصفوع بعد أن صفعه المحقِّق ، صرخته العالية ، وادعائه باستخدام العنف معه ..
– انتهت القضية ببراءته لعدم كفاية الأدلَّة ، و مازال المصفوع يتجوَّل كلَّ صباح من الظهر إلى العصر ومن المغرب إلى العشاء ثمَّ يعود منهكاً ليس من الصَّفع بل من كثرة المشي والدَّوران في حيِّه والأحياء المجاورة ، وجيوبه ممتلئة بالنقود كالعادة ..

* * * * * *

* جزء من حديث الكابتشينو ..
– همسة في أذنك اسمعيها ، لن تتعدَّى الدَّقيقة بل الخمس ثواني ، عدد كلماتها اثنتان .. ( أنا أحبُّك ..)
– ارجوك ..
– خرجت هذه الكلمة من شفتيها الممتلئتين ، كان الرَّوج بلون العنَّاب طالما تذوقته ، وأنا الثمها ..
– انتِ زوجتي مهما حصل بيننا من طلاق ، والعِدَّة لم تنتهِ .
– اريد استعادتك مهما حصل .. انتِ لي فقط ..
– اخذت منديلاً معطَّراً برأئحه الياسمين الذي أحبُّه ، ومسحت دمعتين مختلطتين بالأثمد .
– إذن خطَّان من الدَّمع :
– الخطُّ الاوَّل حياتي معها ، والثَّاني رغبتها الَّتي قاربت على النَّهاية ..
– تجرَّات ، وامسكت يدها الَّتي في منتصف الطَّاولة ..
– سحبت يدها بسرعة وبعصبيَّة بالغة لدرجة انَّ الكوبين يهتزَّان ، وكاد ان يسقطا مع قلبي على الأرض ..
– اسمع رحلتي معك انتهت ..
– طيِّب .. اشربِ الكابتشيو أوَّلاً ..
– لااريدُ .. شربت المرَّ معك لا بل شرب اطفالي مراراً وتكراراً من عصبيَّتك ومزاجيَّتك ، وادعائك الحبَّ .. (انهيار ومسح للأنف والعينين) .
– إلى متى ؟
– انا أعيش معك دور البطلة ، والبطولة لي وحدي لكنِّي اخذل في الأخير ، وبكلِّ سهولةٍ كابتشيو و(كوفي شوب) ..
– ياه ايَّام عقد الزَّواج ..
– أنا صامتٌ لعلَّها تزيح مافي الصَّدر المثقل :
– تعمَّدت ان تدعوني لهذا (الكوفي شوب) الَّذي استقبل دموع فرحي عندما زفُّوني إليك ..
– أجبْ ؟
– لن اتكلَّم .. اكملِ :
– مالفرق بيني وبينها ؟
– قلت لكِ :
– لن ابوح بشئ ، ولن اقدِّم عذري على طبق من النَّدم ..
– انا مقدِّر لحالتك النَّفسيَّة .. لكن تذكَّري أنَّه زواجٌ شرعيٌّ ، وليس حراماً ..
– مسيار ههههه .. ترضى لنفسك وسنِّك ومقامك ترتبط بإمرأة للفراش فقط ..
– رجاءً .. لايصل الحديث بيننا لمفترق طرق قد لانعود بعده ابداً ..
– إذن لن أعود .
– اعادت المنديل الأصفر لشنطتها الجميلة المزخرفة باللَّون الاصفر ، والورود الصَّفراء هي تحبُّ الشَّمس ، وتكره القمر أنا اعلم ذلك ..
– سبق أن قالت لي :
– ليس في حياتك إلا قمر واحد هي أنا ..
– تركت كوبها الورقي الممتلئ بالكابتشينو .
– كان بارداً انتهى بخاره السَّاخن ، ولم تتذوَّق منه رشفة بروجها العنَّابي ، وشامتها القريبة من فمها ..
– مازال خدُّهاالبضُّ على جماله فقط افسده الإحمرار مع الأنف ..
– لم ارفع راسي إلاَّ للكرسيِّ الَّذي اهتزَّ ، ومكانها الفارغ يشرح لي عذره ..
– كانت الجدران الخشبيَّة كئيبة مطليَّة باللَّون البنِّيِّ من جميع الجهات ..
– نور باهت يميل للسَّواد ، وورود صناعيَّة في زاوية المحل ..
– هل حياتي أيضاً مثل الورود الصِّناعيَّة تعيش على الكذب ؟!
– اصبح هذا المكان مكروهاً عندي ..
– اقتربت منه :
– الحساب من فضلك ..
– علينا ياابو الشَّباب ، ماشربت شئ ..
– العامل اتى بالكوبين الباردين لكن قلِّ :
– لماذا لم تتناولا (الكابتشيو) أنت والمدام ؟
– رددت عليه ، وأنا اعذره على فضوله :
– لأنَّ حياتنا اصبحت باردة ..

* * * * * *
* أرجيلة أبي ..
– فراغ أسود :
(قد يكون الرَّحيل حلاًّ ، وأنت تحسبه سؤالاً ليس له حل .. فقط أطلقها من عقالها لكن لاتستغرب إذا كان الحلُّ في بعض الإحيان هو المووووت !! )

– نفث طبقات من دخان الأرجيلة الكريه على وجه سمير .
– عادة خبيثة ترفع ضغط سمير لكن والده لايهتمُّ إلاَّ للمبالغ التي يحملها له عماله ، و تدخل خزينة الشَّركة التي اسَّسها في مدينته الكبيرة ، واصبح لها فروعاً كثيرة في كلِّ المدن الصَّغيرة حولها ..
– تمسح على أطراف شعر سمير .. هو متعلِّق بأمِّه دوماً لايصبر عن غيابها من حياته رغم انه شابٌّ الأن ..
– رفع يدها فجأة عن شعره ، واعتدل ، قال بحنان لأمِّه :
– سأذهب ولن أخبر احداً برحيلي ، فأنا احس بفراغ بيني وبين والدي لا بل بمسافة طويلة من الأهمال .. الوظائف كثيرة ، ولااحتاج لشهادة الجامعة ..
– تذكرين ياأمِّي نجاحي من الثَّانويَّة ، اتيته ابشِّره ، وهو يدخِّن أرجيلته ، فأخرج حافظة نقوده ، وأعطاني منها ، قال :
– مبروك تخرُّجك من الجامعة !!
– طبعاً من ضخامة جسدي ظنَّ أنِّي في الجامعة ادرس !!
– يابنيَّ أبوك مشغول دائما بسببك ، يرغب في تأمين مستقبلك ، فأنت وحيده ..
– وحيده وأشعر بالوحدة ..
– تصبحين على خير ..
– آخر حديث بينه وبين امِّه المريضة كان يخاف عليها لدرجة أنَّ أيَّ اتصال من احد يقول :
– اللَّهم اجعله خيراً ..
– توقَّف قلبها في الصَّباح من كلام سمير أمَّا هو فقد كسر أرجيلة ابيه ، واغلق عليها الغرفة المسودَّة جدرانها من كثرة دخانها الكثيف ..
– لم يجد بعدها إلا خاتماً ورثته من امِّها ، وفعلت كما فعلت أمها ، خنوع وذل ، وعدم تدخلٍّ إن اقتضت الحاجة لذلك ..
– علم والده بما فعله ، فحلف أن ينظِّف سمير المجرم جدران الغرفة والأرجيلة ، ويقفل الباب عليها .
– وقف الأب المحترم امام الباب ، وهو ينتظر خروج ولده لكن الولد تأخَّر ..
– نظر للسَّاعة ، وقال :
– رحمك الله ياأمَّ سمير كان التنظيف لاياخذ منك سوى نصف ساعة ، وهذا البغل له اكثر من ساعة !!
– لااسمع حركة ، قالها :
– فتح باب الغرفة ، فوجد دخاناً فقط امَّا سمير فقد رحل مع الدَّخان من النافذة .
– ضحك أبوه ، وهتف :
– نسيت ان اغلق النَّافذة فخرج الكلب ..
– بعد ثلاثة أيام من البكاء على سمير و امِّ سمير .. عاد من جديد لعادته الذَّميمة .
– نسي كل شئ بسبب الزَّهايمر .. وفاة زوجته ، موضوع سمير ، رحيله الغامض ..

* * * * * * *
* وكان الرَّحيل مرًّا ..
( 1 )
– أصوات طيور الحديقة فوق الأشجار مختلطة لكن في أغلبها جميلة الصَّوت .
– يستطيع تمييزها من حواليه ، ينتشي مغمض العينين ، فهو مدمن على الصَّوت الحسن ، يساعده على تخفيف توتُّره خاصَّة إذا شاهد شخصاً يمرَّ من امامه ، ويلقي عليه السَّلام .
– في الحديقة يجلس على كرسيِّه الحجري ، وفوقه مظلَّة كبيرة حائلة اللَّون من وهج الشَّمس .
( 2 )
– قبل رحيلها من بيته .. من حيِّه الرَّاقي .. وضعت الرَّضيع على بابه ملفوفاً بزمال ابيض على العتبة ، غمزت باصبعها السَّبابة جرس بيتها السَّابق ، وهربت إلى بيت أهلها ..
( 3 )
– عاد كالعادة متأخرا من حديقته متفاجئاً من مشهد طفله الوحيد يصرخ ، وقد التهمت بعض أصابع يده قطط كثيرة ..
– رسالة ملصقة بدبُّوس :
– خذ ولدك لطالما قلت في سرك :
– لااريد اطفالاً منكِ !!
( 4 )
– خرج من السِّجن مؤخراً بعد ان تشاجر معها وصفعها ثأراً لكرامته ، فابلغ أهلها الشُّرطة متهمينه بالجنون المؤقَّت ..
– هو في المطار يحمل طفله الصَّغير الملفوفة أصابعه بشاش طبيٍّ ، يجرُّ حقائبه
اليتيمة ، وابنه اليتيم يبكي ..
– لابد أنَّ رحيله مرًّا عند الغروب ..
* * * * * *
* قلم سائل ..
– إلى زميله بالفصل ينظر هو بجانبه لايفصل بينهما شيئ .. هندامه جميل .. وشماغه البسَّام مكويٌّ ، وإكمام ثوبه مطرَّزة ..
– اكثر مالفت انتباهه قلم سائل أزرق لطالما تخيَّل أنَّه ملكه لولا أبوموسى لايترك له مجالاً كي يحقِّق أحلامه ..
– ابوه يمارس الزِّراعة ، والبيت الذي يدخله محراث ديدنه فقر وذلٌّ .
– ذات مرة رأى زميله الملاصق له ساهٍ ، والقلم مسترخٍ على جانب الطَّاولة ، فمدَّ يده ، وقال :
– دقيقة أبغى اكتب فيه ، وأشوف خطَّه ..
– ردَّ عليه :
– خير ..
– فتح دفتره ، ورسم ورودا ثم نجمات ثم البسملة بخط جميل .. أعاده إلى جيبه
بخفَّة .
– ليته ينساه مثل مانسي أبي الحظُّ ..
– تذكَّر أباه الفقير عندما طلب منه لوازم المدرسة ، فأراه المحفظة فارغة ..
– التفت إليه زميله بغضب هامساً له حتَّى لايسمع الأستاذ حديثهما :
– هاتِ القلم ياابن المزارع !!
– معلومة غريبة في ذاك الزمان :
– سعر قلمه السَّائل لايتجاوز الرِّيالين !!
* * * * * * *
* رماد ويتنفَّس ..
– يتثاءب على ظهر كفِّه ، ويشرع بسرعة بفتح جبنة البقرة الضَّاحكة ، لأنَّه لايضحك بسبب وظيفتة السُّكورتيَّة بالكاد حصل عليها ، ودائماً يردِّد سالم :
– بيَّض الله وجه سعيد لولا ضمانته عند رئيسنا الأجنبي !! ماحصَّلت على وظيفتي ..
– قالت أمُّه :
– قم ياسالم اخوانك تأخَّروا عن المدرسة ، يقفزون جميعهم بمقعد المازدا القديمة .. تنطق وجوههم بالحزن والبؤس .
– والدته العصاميَّة مشغولة بعمل الخلطات الشَّعبية للأطفال المرضى .. هذا طفل ملوِّز .. والآخر صايل عليه ابو عظيم ، والغريب انَّ من تشتري منها خلطاتها تبيعها بمكسب فاحش ..
– بيريه مدوَّر جميل على راسه ، والقميص مخطَّط بخطوط متناسقة بنيَّة اللَّون .
– موعد الحراسة الليليَّة يقترب :
– ساواجه سعيد ، واتمنَّى الاَّ اواجه إبراهيم !!
– سعيد : صاحب الواسطة لولاه لأصبح سالم يدور من شركة لأخرى متأبِّطا ملفَّه الأخضر ..
– إبراهيم أبوخليل الاعرج شبه مجنون ، اخرس في غالب وقته ، ويهمهم بكلمات لاتفهم ، لزمته المكرَّرة :
– عطني مقسوم الله هم هم
– انا جيعان هم هم
– جنونه ليس حقيقيًّا لكنَّه حقيقة فرضها مضطرًّا كذلك شلل يده اليسار تمثيلاً وحقيقة ..
– طريقة مشيه غريبة ، وكأنَّه يدفع برميلاً امامه !!
– في نوبة من نوبات الحراسة الليليِّة اقترب منهم عليه ثوباً قذراً وشماغاً أسوداً .
– الشيب والقمل يغزوان لحيته ، ومعه كوباً ورقيًّا .
– ظنَّ سالم وسعيد أنَّ أحد المارَّة تصدَّق به عليه ..
– سعيد يمسك بطنه ، يكاد ان يتقيَّأ .. يسأله سالم :
– مابك ؟
– انظر إليه يسفُّ النَّار من كوبه !!
– اسرع أليه سالم ، واختطف الكوب الورقيَّ ، وقلبه على الإسفلت :
– كان رماداً حارًّا لايدع عقل أبي خليل يهدأ ..
– جلس على الإسفلت ، واخذ يبكي كالطِّفل :
– ذكرياتي .. بناتي ، و أجهش بالبكاء !!
– بألم ممزوج بامل كاذب ، سالم يناجي زميله :
– اكثر مايؤلم في حياتك ياسعيد أنَّك تمارس الكذب على نفسك ، لأنَّ العنب الحامض في الأعلى !!

يناير 25th, 20191229

اكتب تعليق