حربُ الخيانات الباردة!
الكاتب : أ - سارا علي

 

‏يُخطئ مَن يظنّ أنّ الوصول إلى الوسطيّة -بعد عقود من التشدّد- لا بدّ أن يمرّ بالانحلال، بحجة أنه لا بد للناس أن يروا الفرق بأعينهم، مُخطئٌ مَن يظنّ أن الليبرالية هي الوسطية، الوسطيّة هي الحرية المكفولة ديناً وهي موجودة، أما الليبرالية فهي التحرر المكفول من الشيطان.
‏في الأزمنة السابقةِ شواهد كثيرة على هذا.. كالقرون المُظلمة في أوروبا مثلاً، خلّفَتْ وراءها حريةً متطرفةً لم تصل إلى وسطيّتها حتى اللحظة.
‏التيارات المجتمعية في المملكة يحارب بعضها بعضاً.. ومن يقول أنّ الحرب لا تتعدى التغريدات والمقالات الإلكترونية.. أذكره بأننا في عصرٍ لا يُدار إلا بزرٍ إلكتروني، منصات التواصل هي منابرُ الناس الآن، وهي عقولهم التي نتحدث معها، رأيكَ المكتوب في تويتر سيعبّر بطريقةٍ أو بأخرى عن معتقدكَ أو فكرتك، لذلكَ فإنّ الحربَ الإلكترونية هي حربٌ مجتمعيةٌ بين تيارات متعددة.
‏أعودُ لمقولة سيدي مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل.. حين ذكرَ أننا كشعبٍ نعاني من فئتين في المجتمع، فئةٌ تكفيريةٌ وأخرى انحلالية، وما أروعهُ حينَ وصفهما بكلمةٍ واحدة “قاتلان”!
‏أنا لن أداهن مجتمعي إذا وقفتُ في المنتصف.. فمهمتنا كمواطنين هي استقبال المعلومة أو المعطيات وتحليلها لنأخذ منها ما يوافق حياتنا ونردّ الأخرى إلى دلوِ صاحبها ولا نستقي منها، ومهمتنا الدفاعُ عن ثوابت وطننا ومعتقداته الدينية ومكتسباته المعرفية أو تقاليده وأعرافه، والانتقالُ من مرحلةٍ لمرحلةٍ أكثر مرونةً وحريةً لن يجبرنا على التخلّي عن موروثاتنا، أو ضرب الأدلةِ الشرعية عرضَ التاريخ كما يفعل المنحلون.
‏المطالبة بمراجعة النصوص الدينية أمرٌ بالغُ الأهمية.. وأنا أشير بذلك للقرار الملكي من سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بإنشاء هيئة للتدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية بهدف “القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب”، لكنهُ ليسَ من واجب الفرد بل من واجب الدولة، والخوضُ فيها كالخوضِ في ظنٍ يوردُ صاحبهُ الهلاك، لسنا متخصصين ولا منظرين، نحن باحثون عن الحقيقةِ وسط أكوام التنظير الفلسفيّ لفئةٍ لا نعرف حتى الآنَ سقفَ مطالبها، هل هي قيادة المرأة؟ أم إسقاط الولاية؟ أم إسقاط الدولة؟ أم إسقاط الدين؟
‏وكذلكَ الحقيقةُ عند فئةٍ جُلّ ما تطالب بهِ هو الحُكم بالنار والحديد والقمع، والذهابُ مع كلّ ما غالى فيهِ “الدُّعاةُ” وليسَ الأئمة!
‏الغريبُ في الأمر.. أنّ كلا التيارينِ يخوضانِ حربَين اثنين، أحدهما معلنةٌ ساخنةٌ تدورُ رحاها أمام العيان، والأخرى باردةً سريةً تُجيّشُ فيها العقول خِفيةٍ عن أعين الناس، وفجأةً.. نجدُ رهف القنون، أو عميل سفارات، أو محامي الشيطان.
‏الحربُ المعلنةُ بينَ التيارين انجرفَ معها الكثيرون والمتضرر واحد.. هو الشعب، أما الحربُ السريةُ ليس هدفها الشعب كما يعتقد البعض، بل الدولة!
‏متى يعي الناسُ أنّ الانحلال ليسَ حلاً، وأنّ التطرّف والمغالاة ليس حلاً، وأنّ حقوقك التي تحاول الوصول إليها بتشويه صورة الدولة ليست حلاً، وأنّ عائلتكَ ليست جزءً من المشكلةِ كي تنتقم منها، وأنّ المجتمع ليس عدوّك، وأنّ الدعاةَ بشرٌ لا أنبياء يصيبون ويخطؤون، وأنّ الخيانةَ لا تجعلكَ بطلاً بل أضحوكةً بين الناس، وأن العنتريّات التويترية لا تصنعُ جيلاً بل ببغاءات، وأنّ المطالبات بحريةِ المرأةِ ليست ضمن واجباتك، إذ بإمكانك منحها لأهل بيتك وترك بيوت الناس في شأنها الخاص، وأنّ إسقاط الولاية أمرٌ سيفيد القليل من المتضررات ربما، لكنهُ سيخدم الكثير من المتربصين في المقابل، وأنّ الدولة لا تسكتُ عن جهلٍ وعجز، بل عن حِلمٍ ورحمة، وأنّ الحاكمَ يرى ما لا تراه، في حين لا ترى أنتَ أبعدَ من موضع قدمَيك، والسلام!
‏………
‏سارا

فبراير 3rd, 20191959

اكتب تعليق