الأسورة والجاهل الخامس ..
الكاتب : أ - ناصر ناهي الشمري

( يلتصق ظهره على الجدار ثمَّ يرفع بصره من أسفل إلى أعلى .. رصاص يصمُّ الأذان ، ويرسم على صدره وردة ، يتهاوى ضاحكاً ، ويقول : طوبى لي نجوت منهم .. بقايا من حلم مرَّ مرور الكرام ، فلاتسألوا عنه )

* * *
– ذات مساء دافء خرج من غرفته محمد شاكر بعد ان شرب كوباً من الشَّاي الاسود .
– برَّاد الشَّاي المحترقة جوانبه بعيد عن دوائر الهيتر بخلاف دلَّة القهوة المخصَّرة المنصوبة بوقار ..
– وقف على عتبتها يراقب بلذَّة وتعجبٍّ (لمَّبة) فوق الباب ، تتجمَّع عليها فراشات صغيرة حائرة بالقرب منها الوزغ الَّذي يمارس هوايته – وهو هادئ – يلقم من تقترب منه وتتخبَّط ، يراهم ابو شاكر ، ويتمتم :
– رزقه بلاتعب ولاهم .. افتح افتح فمك ياأبو بريص !!
– افتقد كلب الشَّركة الذي يجالسه كلَّ ليلة قبل ذهابه إلى كرفانه .
– راح يبحث عنه قريباً من غرفته وجده نائماً خلفها :
– حتَّى أنت ياكلبي تتركني وحيداً ، أبو بريص خير منك ، أقلُّ شيئ صاحي معي في هذا اللَّيل الكريه !!
– مافي فرق هو يحرس ، وأنا احرس .. يعني أنا والكلب واحد ، نفس الوظيفة !!
– انفلتت ضحكة بدت صغيرة ثم ازدادت مع حشرجة صدره حتَّى دمعت عيناه من الحزن والكظم ..
– حياة محمد شاكر – الحارس اللَّيلي لشركة اجنبيَّة قريبة من حيِّه العشوائي – مقلوبة عندما مرَّرت يدها ، وهي ترتجف فوق البطن ، وقالت :
– اظنُّه الخامس . . انا آسفة ..
– لايدري أقال لها :
– لاعليك .. ام خرج وهو لايعلم إلى أين يخرج ؟!
– كأنَّه فقد النُّطق او فاقد له ، تعلوه سحابة من تفكير المتاهة ، تنفُّسه شديد ، وكلامه مستمرٌّ مع ايِّ شخص يواجهه عندما لايجد أحداً سيتكلَّم مع نفسه لامحالة ..
– لقد نسي موقع المستشفى الحكوميِّ وطريقه ، ومع تذكُّره لايملك سيَّارة خاصة ، ولولا قرب الشَّركة من بيته المقام بلا رخصة بناء ، لتشرَّد هو وعائلته ..
– يحرسها من ايِّ شخص قد تسوِّل له نفسه قصَّ الكيابل الكهربائيَّة أو سرقة ادوات الشَّركة ، وسبق لها أن كرَّمته براتب وشهادة تقدير بعد ان احبط سرقة عابرة غير مخطَّط لها من لصوص أغبياء .
– حديدها وادواتها الخاصَّة يعتبرها من الإخلاص ملكه ، ولو دفع روحه ثمناً لها ..
– كان يصرخ بشدَّة مع كلب ، ويضرب الباب بعمود حديد وجده في الخارج ، وكما قيل الرُّعب ينتصر دائماً..
– طيِّب من وين اغراض الجاهل ؟!
– خرج بعد هذا السُّؤال الَّذي لم تجب عليه زوجته إلى قهوة غير مرخَّصة كعادة المباني في هذا الحيِّ الغارق بمياهه الأسنة ، وقطعان الكلاب والقطط الضَّالة الَّتي لاتجد ماتتغذَّى عليه من براميل الزِّبالة ، فتنهش المارَّة خاصَّة أو الأطفال الجالسين والمهملين عند ألباب ..
– الشَّمس الحارقة تصفع أغلب محلاَّته المشيَّدة من الحديد بل إن أسلاك الكهرباء المتشابكة المسروقة من عدَّادات بعيدة تشبه لوحة لرسام سرياليٍّ معقَّد ..
– وافدون ينافسون بالبيع والشَّراء ، ومتخلِّفون يجدون في هذا الحيِّ الحزين ، وفي بيوته المتلاصقة والمهجور بعضها ، وفي قهوته كذلك ملجأً لهم من اعين الجوازات والبلديَّة ..
– بعض المسنِّين والمتقاعدين يثرثرون بطريقة لايحتملها أبوشاكر صرخ مع تصفيق الكفَّين :
– كاسة شاي لو سمحت ابو فتحي ..
– هزَّ رأسه القهوجي ، وردَّ :
– ممنون لأبو شاكر دقايق ..
– اقترب ابو فتحي من محمد شاكر حاملاً صينيَّة نحاسية صغيرة بها كاسة الشَّاي ، وكوب ماء معه .
– اشرب دم الغزال هذا ، وروِّق الدُّنيا زايلة ، خذها من عمِّك أبوفتحي ..
– لايعلم محمد شاكر متى وصل هذا اليمني المغترب لهذا الحيِّ ؟
– معروق الجسد ، حنطيُّ الوجه ، نحيف الأضلاع ، تبدو بارزة جهة ظهره من سوء التَّغذية ، وأنفاسه مشبَّعة بالحموضة والتَّدخين .. ورغم حياته العائليَّة الصَّعبة ، ومرض نصف ابنائه بسبب زواجه من بنت عمِّه إلاَّ انَّه دائم الابتسام ، لاتتوقَّف زوجته عن الانجاب .
– يتفاخر ويقول :
– بُنيتْ هذه القهوة على جهدي ، وبراعتي في إعداد الشَّاي العدنيِّ ، والعادي الأحمر .
– انا أبو فتحي القهوجي ، والرِّزق على الله .
– احسَّ بمغص خفيف مقلق بعد ان شرب الشَّاي الأسود المر .
– تحت الكاسة نقود الإكراميَّة لأبي فتحي ، وثمن الشَّاي بعد ان نفض كلَّ شيئ من ذهنه .. ملابس اطفاله البالية الَّتي تحتاج تغيير .. اجار الكرفان الحديديِّ المملوك للشًّركة .. الفواتير وغيرها من الاحتياجات لعائلته الكثيرة الأفراد .
– هي السَّبب ماتقدر تحدِّد نسلها .. خلاص يكفي أربعة كلُّهم غلط اتو للدُّنيا ، استغفر الله ..
– يتوجَّه كلَّ نهاية شهر إلى المستشفى مع زوجته ، مشكلة مكتبها وعيادتها بالطَّابق الثَّاني ، تحتاج لمن يسندها كي تتحرَّك ببطء .
– يستمع إلى نصائح الدُّكتورة :
– انتبه لاتنام عليها بثقلك ..(ثقل لهيكل عظميِّ ، كيف ؟!)
– لاتقع من السُّلم .. ( وينه السُّلم ؟ ماتدري عن الكرافان ههههه )
– لابدَّ من الأكل الكثير ، وخاصَّة اللََّّحم والخضار والفواكه ..( راتبي مقطَّع الأوصال بسبب الدُّيون )
– من وين اغراض الجاهل ؟!
– خمسة أغلاط ، والأخير غلطة فادحة ، لابدَّ يعني تلك اللَّيلة امارس فحولتي الغبيَّة ، واظلمها .
– مسح بلطف على رؤؤس اطفاله الأربعة الأرض سرير لهم ، والرَّاتب في النَّزع الأخير ..
– ثلاثة آلاف ، وأربع ابناء ، والخامس في الطَّريق .. – ليت الرَّاتب خمسة على عددهم ..
– آه بقايا حلم حلمته ، وعندما استيقظت شربت البحر المالح ، وازددت عطشاً .
– تذكَّر دخوله على مديره ، وطلبه سلفة .. قال له ، وهو يقضم ظفره الأوسط :
– سدِّد اوَّل .. إنت مافي معلوم .
– حتَّى ابو فتحي قهوجي القهوة ، قال :
– ليه ساهم ، فضفض انا اخوك ..
– اغراض الجاهل من وين ؟!
– المستشفى حكوميٌّ الحمدلله بس سريره .. حفايظه .. حليبه .. والرَّاتب مع السَّلامة .
– الله كريم تبي سلف .. أشتي أسلِّفك ..
– مشكور ..
– كلُّه منها !!
– قبَّلت يده لاتطلِّقني أبو شاكر .
– في ليلة اخرى – بعد ان اخذت وعداً من أبي شاكر ألاَّ يطلِّقها – وضعت كفَّها على جبهته نفثت مع المعوِّذات الثَّلاثة ، وقالت :
– فيه ناس تترجَّي أظفارهم ، وإنت خايف ..
– من وين أغراض الجاهل ؟!
– فكَّت أسورة وحيدة على يدها أهداها لها في بداية زواجهما قبل فقره ، ورجته ان يبيعها خوفاً عليه من تداعيات الجاهل الخامس !!
– قبًّلها وضمَّها ثم تذكَّر نصيحة الدُّكتورة ..
– في الصَّباح ذهب ألى اقرب محلٍّ من محلاَّت الذَّهب ..
– بعد وزنه للأسورة ، قال صاحب المحلِّ :
– لانَّك زبون عندنا دائم ، مرَّة خاتم ، ومرَّة أسورة عموماً يطلع المبلغ بحدود الألف ريال ..
– خرج بسرعة من المحلِّ سعيداً ، وضعها بجيب ثوبه الأيمن ، واشار إلى ليموزين بعد ان تحسسَّ مبلغاً قريباً من القلب يكفي اجرة للطَّريق .
– يجب ان يبشِّر زوجته ، ويتعهَّد لها بتعويضها عن الإسورة والخواتم السَّابقة ..
– كانت السَّيَّارة ممتلئة بروائح العرق والانفاس السُّفلية .
– بالكاد وجد مكاناً له بين رجلين يتلفَّتان بسرعة ، والعرق يطفح من جباههما .
– توجَّس خيفة ثمَّ توكَّل على الله ، وانحشر بينهما . – بادره قبل ان يتحرَّك صاحب اللِّيموزين بعد ان وصف له بيته :
– آه مكان بيتك بمنطقة العشوائيَّات ، طيِّب الحساب يزود شوي .
– أنا خائف من يميني امَّا يساري فلو جسَّني لن يجد إلا الفقر ، ومسبحاً قديماً ، وقطعتين من الكلينكس المكوَّر ..
– لاوَّل مرَّة يرى ، ويسمع سائق ليموزين ثرثار ثقيل الدَّم والمزاج ، لايتوقَّف حتَّى مع تشغيله للراديو أحياناً ، وللمسجِّل احياناً أخرى ..
– يبدو أنَّ الألم مقرون بالكلام والثَّرثرة لعلَّه ينسى واقعه المرَّ ..
– وصل إلى كرافانه الصَّدئ المقشَّر دهانه .
– فتحه بهدوء مفتخراً فرحاً يحسُّ أنَّه أب مثالي ..
– هدوءه يخرج من شقٍّ عميق في نفسه ، مقفول بالضَّبَّة والمفتاح ..
– الاطفال ياكلون .. انتشروا وهجموا مرَّة واحدة يقبلِّونه ، ويجلسون بأحضانه .
– تخلَّص منهم في حنان ، و دخل غرفة زوجته .
– كانت نائمة ، واللِّحاف فوق بطنها المرتفع ، ونفسها الرَّتيب يشيع النَّوم في هذه الغرفة الحديديَّة ..
– هل يبدأ عمري معها ام أنَّها مثل القضاء لامفرَّ منه ؟
– لماذا يتكهَّن الحظ بأنِّي سأهرب منها ، واترك الحبل على غاربها ؟!
– أيقظها مبتسماً برفق ، فابتسمت :
– بشِّر بعتها ..
– قال :
– نعم ..
– ادخل وهو واقف وخائف أصابعه الخمسة في جيبه الأيمن يتلمَّسها ، فلم يجد شيئاً ..
– كرَّر العملية نفسها في جيبه الأيسر لعلَّه نسي ووضع النُّقود فيه ، فقط مسباح أصفر ثمنه خمس ريالات و منديلان ..
– نقود الجاهل ..
– وقع على طرف السَّرير ..
– زوجته تصرخ :
– ارفع ظهري حتَّى اجلس ..
– بصعوبة تلمع دمعتان في نقرتي عينيها :
– يعني ضاعت الألف !!
– بل نشلت في سيَّارة اللِّيموزين ..
– كنت اعلم بهم لكن خوفي منعني !!
– تدور عينا ابي شاكر بقلق وعذاب ثمَّ يلتفت لزوجته الحامل :
– من وين أغراض الجاهل الخامس ؟!!
– نم بجانبي .. رقد محوَّلاً وجهه عنهاحتَّى تظنَّه نائماً ، وفكََّر بعمق لاستعادة شريطه المفجع :
– إممم مشيت من المحل .. أشَّرت بيدي .. وقف صاحب اللِّيموزين .. انحشرت بين الإثنين ، أنا غبي !
– أصابع يدي اليمنى كانت متشنِّجة ممسكة بالجيب ، فضحتني ..
– هكذا عرف بأنَّي أحمل شيئاً ثميناً ..
– انتهت مسرحية اللَّيل ، لايوجد جمهور فقط زوجتي وأولادي .. سأنام .
– في الصَّباح اتت زوجته تمشي ببطء من بطنها المنتفخ :
– أبو شاكر (تميس حار وفول)
– الأولاد ينتظرونك ، ابوشششاكر قم .. صدمة وصياح ..
– كان ابوشاكر مبتسماً هادئاً ، وكأنَّه اشترى الأغراض كاملة لمدة سنة على الأقل ..

فبراير 18th, 20191903

اكتب تعليق