ما خفي أعظم.. بين الافتئات والوهم
الكاتب : اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

منذ عقود والقيادات السعودية المتعاقبة تمد حبل الصبر طويلاً مع دولة قطر، فعملت المستحيل من أجل الحفاظ على شعرة معاوية، حتى لا تنفصم عُرَى العائلة الخليجية الواحدة، قبل عُرَى الأخوة والجيرة والمصالح المشتركة والمصير الواحد؛ إدراكاً من قيادتنا الرشيدة لأهمية رسالتها في الحياة ودورها الريادي في العالمين العربي والإسلامي. ولهذا صبرت صبر أيوب على جنوح قيادة قطر، علَّها ترعوي وتدرك مخاطر أفعالها ونشوزها فتعود إلى رشدها.

لكن للأسف الشديد، تمادت قيادة قطر في غيِّها، وجاهرت بالعداء السَّافر حين أسست (قناة الفتنة) لتكون بوقاً يثير الأحقاد من خلال النبش في أعراض الناس، والتشكيك في ذمتهم، واتهامهم بالخيانة لأوطانهم، وإثارة النعرات، وإشعال فتيل الفتنة والخلافات، إلى أن حققت غايتها بخدمة مشروع أعداء الأمة بما عرف بـ (الجحيم العربي)، الذي أدى لأفول نجم أكثر من دولة عربية، وترك فيها جرحاً غائراً سيظل ينزف طويلاً، فتبقى كل قطرة دم بريئة تلعن صناع الفتنة إلى يوم الحساب.

وللأسف الشديد أيضاً لم يكن هذا كله كافياً لإشباع نهم قيادة قطر في الخراب والدمار، مع بشاعته التي تقشعر منها الأبدان لما تسبب فيه من كوارث مؤسفة محزنة مفزعة، راح ضحيتها أبرياء عزَّل من نساء وأطفال وكبار سن لم يكونوا يحلمون بشيء في هذه الدنيا غير عبادة ربهم والستر، فضلاً عن شباب في عمر الزهور كانوا يمثلون أمل الأمة وغدها المنتظر.

أقول لم يكن هذا كله كافياً مع بشاعته، فخصصت (قناة الفتنة) بدعم من قيادة قطر وتشجيع كل برامجها ونشراتها الإخبارية لدق إسفين شرها في بلاد الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين، حرز الإسلام وبيت العرب الكبير؛ دونما مراعاة لرسالتها ودورها في رعاية شؤون الأمة، الأمر الذي كان يفرض على قيادة قطر التعاون بصدق وإخلاص ومؤازرة، وأضعف الإيمان أن تكف شرَّها.

وقد سبق لـ (قناة الفتنة) أن بثَّت كثيراً مما تطلق عليه (مجازاً) (أفلاماً وثائقية).. كلها افتئات وكذب وتلفيق وأوهام وشهادات زور مدفوعة الأجر بسخاء للمرتزقة، للنيل من بلاد الحرمين الشريفين وقيادتها الرشيدة وشعبها الوفي النبيل؛ فكان (فيلمها الوثائقي المزعوم) الذي بثَّته مساء يوم الأحد 26/6/1440ه، الموافق 3/3/2019م في برنامجها (ما خفي أعظم) الذي سبقته حلقات كثيرة من النوع نفسه، توضع كلها في خانة الإعلام المغرض ضد بلادنا. وقد تناولتُ بعضها بالقراءة والتحليل ودحضتُ ما اشتملت عليه من افتراءات وادعاءات في مقالات نشرت في وقتها في بعض وسائل الإعلام. وسوف أتناول اليوم (فيلمها الوثائقي الأخير) الذي أشرت إليه آنفاً، وخصصته (قناة الفتنة) لقضية الأخ جمال خاشقجي، رحمه الله؛ وظلت تروج له قبل شهر تقريباً، ولسان حالها يقول: جئتكم من سبأ بنبأ يقين. فجندت كل طاقاتها لإحراج بلادنا، واتهام قيادتنا بما لم يكن لها أن تفكر فيه مجرد تفكير، ناهيك عن تلك المحاولات المستميتة الخبيثة لتشويه سمعتنا وإحراجنا.

وعلى كل حال، سأذكر فيما يلي عشر ملاحظات وانتقادات أرى إنّها منطقية لما جاء في (الفيلم الوثائقي إيَّاه) من افتئات وافتراءات وبهتان، وأترك الحكم لفطنة القارئ الكريم وحصافته، لكي يكتشف بنفسه ما يعشش في ذهن (قناة الفتنة) المريض وما يتراءى لرعاتها من أوهام:

1- جاء في الفيلم المزعوم أن الجثة تم حملها في أكياس إلى بيت القنصل السعودي في استانبول لحرقها، لكن لم يذكر الفيلم كيف تم التحقق من هذا الزعم يقيناً!.
2- جاء في الفيلم أيضاً أن الأخ جمال قتل خنقاً، ثم ورد لاحقاً أن التحقيقات الجنائية التركية عثرت على بقع من دمه تطايرت في جدران الغرفة التي تم طلاؤها حديثاً لإخفاء آثار الجريمة.. ولا أدري كيف يتطاير دم إنسان أو غيره من كائن حي إن هو قتل خنقاً؟!.
3- كيف عرفت التحقيقات الجنائية أساساً أن هذا الدم الذي وجد متطايراً في جدران الغرفة، إن افترضنا جدلاً أنه ثمّة دم على الجدران، للأخ جمال خاشقجي رحمه الله، أم أن السلطات التركية تحتفظ بالحمض النووي لكل من تطأ أقدامه أراضيها؟!
4- جاء في الفيلم المزعوم أن الشخص الذي صمم الفرن في بيت القنصل السعودي، وكان واضحاً من لهجته أنه من أهل الشام، استنكر على القنصل مواصفات الفرن الذي طلب إليه تنفيذه (قبل ستة أشهر من الحادثة) قائلاً: هذه مواصفات فرن يصلح لكي يتم فيه شواء إنسان وليس شواء خرفان.. فإن افترضنا جدلاً أن الفرن تم تصميمه لهذا الغرض حسب زعم (قناة الفتنة)، فكيف عرف هذا العامل الشامي البسيط ما كان يتم التخطيط له، أم يا ترى أنه قبض ثمن شهادة الزور بسخاء من (قناة الفتنة) مقدماً؟!.
5- ولماذا حذفت (قناة الفتنة) هذه الفقرة التي ورد فيها (شواء إنسان) عند إعادة (الفيلم الوثائقي المزعوم) أكثر من مرة.. هل استدركت افتراءها لاحقاً؟ّ.
6- وكيف تمكن فريق إعداد الفيلم (السحري) من التوصل إلى هذا العامل البسيط وسط ملايين العمال الذين تعج بهم استانبول؟!.
7- وكيف توصل هذا الفريق (السحري) أيضاً إلى سائق الأجرة الذي قيل إنه نقل شخصين ممن شاركوا في التخلص من الجثة إلى الفندق؟ّ!.
8- ولماذا قبل سائق سيارة الأجرة الحديث مباشرة إلى آلة التصوير فيما امتنع العامل الشامي الذي صنع الفرن عن إظهار هويته أو حتى صوته الحقيقي؟ّ.
9- كيف تحقق فريق إعداد الفيلم من اشتعال النار في الفرن في بيت القنصل السعودي لثلاثة أيام متتالية… وكيف… وكيف… وكيف؟!.
10- لماذا لم تسمح السلطات التركية لوسيلة إعلامية أخرى غير (قناة الفتنة) بدخول المعمل الجنائي… ولماذا… ولماذا… ولماذا؟!.

الخلاصة:

أثبت (الفيلم الوثائقي المزعوم) حسبما أرى افتئات (قناة الفتنة) وما يعشش في فكر قيادة قطر المريض من أحلام الأضغاث بقدرتها على النيل من أرض الإباء والشمم؛ كما أثبت أيضاً بجلاء لا لبس فيه هذا التعاون غير المحدود والتآمر الذي لم يعد يخفى على صاحب فطنة بين قيادة تركيا المتعطشة لاستعادة مجد الخلافة الغابر، وبين قيادة قطر  الحالمة بأوهام الزعامة على حساب كل القيم والمثل والأخلاق النبيلة فضلاً عن كثير من الاعتبارات الأخرى.

وعلى كل حال، هذا ما توصل إليه محدثكم؛ وأترك الباقي لفطنة القارئ الكريم وحصافته كما ذكرت آنفاً.

وأخيراً:

القيادة السعودية أحرص من كل متطفل على مواطنيها وعلى إحقاق الحق والعدالة، وليست في حاجة لأحد لكي يذكرها بدورها وما ينبغي عليها فعله، وقطعاً سوف تكشف للعالم عن كل شيء حالما تنتهي التحقيقات التي هي بيد العدالة الآن.

لكن يبدو أن قيادة قطر سادرة في غيها، عازمة على حرق مراكب العودة كلها بخلاف ما كنَّا نظن.. وعلىكل حال، أنصحها قبل أن تبحر بعيداً إلى حيث ألاَّ إمكانية لعودة مطلقاً، أن تفكر عشر مرات إن كانت تستطيع فعلاً العيش كالجسم الغريب الخبيث وسط المنظومة الخليجية التي يعد ارتباطها بها وتعاونها معها حتمياً لبقائها.

 

مارس 7th, 20191060

اكتب تعليق