مسؤولية الكلمة في الإسلام
الكاتب : د / صالح بن سعود السعود ... جامعة حائل

الحمد لله القائل ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )،والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ،أما بعد :
للكلمة أهميتها الكبرى،الكلمة أمانة جسيمة ، بها يدخل المرء في الإسلام وبها يخرج منه، وبها يدخل الجنة والنار، وبها العزة والكرامة وبها الإهانة والمهانة ، بها التقدم والرقي وبها التخلف والإنحدار، بها تشاد الأمم وبها تنهار ، بها تشتعل الحروب وبها تتوقف، بها تستحل الفروج، وبها تتفكك الأسر، بها يتم البيع وينفسخ،هي عنان الأذكار والدعوات، وهي عنوان الدعوة والتعليم ؛ لذلك وضع الإسلام للكلمة ضوابط، بحيث لا تلقى عبثاً ، أو تلقى جزافاً دون تأمل لما يترتب عليها من نتائج وآثار، فقد حذر الإسلام: من إطلاق اللسان في أعراض الناس، والتحدث بما لا ينفع ولا يعني، وغير ذلك.ليست الكلمة التي نتفوه بها فقاعة صابون تطفو على سطح ألسنتنا لتنفجر في الهواء بسرعة فاللكلمة في الإسلام مسؤولية، قال تعالى:( ما يلفظ من قولٍ إلاّ لديهِ رقيب عتيد)(ق~ :18) ،رقيب يراقب أقواله خيرها وشرها
ومسؤولية الكلمة ليست في الكلمة ذاتها بدايةً وإنما تتحدد أولاً في التفكير بها قبل إطلاقها،واختيار الأحسن منها ، والأسلوب الأمثل في إطلاقها،والنظر في انعكاسها وتأثيرها على المتلقي
وهذا كله يحتاج إلى تدريب، فالتسرّع في إطلاق الكلمة يؤدي إلى نتائج سلبية وأحياناً وخيمة
والتأني في انتقاء الألفاظ وصياغتها بأسلوب محبب غالباً ما يؤدي إلى نتائج إيجابية طيِّبة مقبولة.
إنّ الكلمة الجميلة هي هداية وتوفيق (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) (الحج:24) وهدية بحد ذاتها، يحسن بنا أن نقدمها جميلة حتى تسر الذين نقدمها إليهم.وكلماتنا الناقدة مؤلمة،ولذلك يفضل أن لا تكون موجعة للدرجة التي تجرح متلقيها.وبعد المراس والتمرين على ألفاظ الوحيين ،ومن ثم الجميل من القول ، سيكون لدينا قاموساً خاصاً في الكلمات المهذبة والنقدية الصريحة فنحن في الحالين نريد أن نصل إلى عقول الناس عن طريق قلوبهم ولا يكون ذلك إلا باتباع الأسلوب الذي علّمنا القرآن إيّاه، قال تعالى:(وقُل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (الإسراء: 52
الكلمات كالبضائع في السوق فيها الجيِّد وفيها الرديء،وعلينا أن نتخير ما هو الجيد ،لتكون رسالة ورسول لنا إلى الآخرين ،وتلك ليست مهمّة سهلة لكنها ليست صعبة على مَن يعيش مسؤولية الكلمة.
والكلمات درجات:
1- (الكلمة الطيِّبة)، وهي الكلمة الهادية، المرققة للقلوب، الفاتحة للأذهان، المشجّعة على فعل الخير، المعلّمة، المربية والمفتّحة لنوافذ البرّ والإحسان.
2- (الكلمة الخبيثة( ، ككلمة الزور، وهي الكلمة التي لا أساس لها من الصحّة أو هي الشهادة بالباطل (واجتنبوا قول الزّور) (الحج: 30(،)وإنّهم ليقولون منكراً من القول وزورا) (المجادلة: 2) وككلمة التشهير،التي لا تبقي حرمة للآخر)لا يحبّ الله الجهر بالسُّوء من القول إلا من ظلم) (النساء: 148( ،وكالكلمة المزخرفة،التي لها شكل جميل، وهي إمّا خاوية من الداخل أو تحمل مضموناً قبيحاً (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) (الأنعام: 112(ومثلها :الكلمة المزيفة، التي لها رنين ووقع في السمع لكنّها منقوعة بالسم (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدُّنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام) (البقرة: 204(
وكالكلمة المتأففة،التي يطلقها الابن العاق أو المسيء بوجه أبويه وكأنّه يصفعهما بها(فلا تقل لهما أفٌّ ولا تنهرهما) (الإسراء: 23(ونحن في سوق الكلمات كما نحن في سوق البضائع، لابدّ أن نتخيّر أجودها.
فالكلمة الجيِّدة كالبضاعة الجيِّدة تحتاج إلى أن ندفع من أجلها ثمناً أكبر لكي تدوم أكثر وتترك تأثيراً أكبر، والكلمة السيِّئة أو الرديئة علاوة على أنّها سريعة التلف فإنّ لها ضريبتها أيضاً في الحياة الدنيا وفي الآخرة. والكلمة الخبيثة ، جارحة للمشاعر، خادشة للذوق، مثيرة للعواصف، مفجّرة للغضب، فاتحة لأبواب الشر – والعياذ بالله -.
3- (الكلمة اللينة) وهي التي تخفق بأجنحتها فوق سمع السامعين فلا تجرحهم، (فقولا له قولاً ليناً لعلّه يتذكّرأو يخشى) (طه: 44)
4- (الكلمة السديدة) وهي الكلمة الموزونة بميزان الذهب والتي تهدف إلى الرّشاد والتسديد لخطى السامع (فليتّقوا الله وليقولوا قولاً سديدا) (النساء/ 9
5- (الكلمة الكريمة) وهي المعبرة عن جود وسخاء نفس قائلها ،بحيث تثري سامعها بموعظةٍ أو نصح أو توجيه أو تصحيح للأخطاء ونقد للعثرات،أو في ثناء وتشجيع وحث وشكر )وقل لهما قولاً كريما) (الإسراء:23
6- (الكلمة البليغة) وهي التي تبلغ أسماع الناس فتؤثر فيهم ،فكأن قائلها يتريث كثيراً في إصابتها للهدف كمن يطلق سهماً وهو مطمئن أنّه سيصيب كبد هدفه ، (فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا) (النساء: 63( ، وغيرها
ولنا أن نتأمل الحديث الصحيح الوارد عنه عليه الصلاة والسلام:”من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت”البخاري ومسلم وغيرهما،وكذلك حديث معاذ المعروف المشهور:”وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”البخاري وغيره وحسبك حديثه عليه الصلاة والسلام تنبيهاً وتحذيراً حيث يقول:”إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً”ابن ماجة والنسائي وغيرهما.ولذلك جعل ضبط الكلام وجعل الكلمة في مسار الخير مرتبطاً بالإيمان فالكلمة لها مجرى ولها سبيل، إن غلب على الظن أنها تورث خيراً وإصلاحاً، وتقرب بعيداً وتؤلف نافراً، وتقوي همة في الخير فإن ذلك هو المسار الصحيح، أما إذا تحقق المرء بأن الكلمة التي ينطق بها أو يكتبها تدعو إلى فجور، أو تغري بفاحشة، أو تورث شحناء، أو توقد بغضاً وحقداً وحسداً فإنه مأمور شرعاً بأن يكف عنها، وإن نطق بها أو أجراها كتابة فإنه آثم يلحقه إثمها، كما يلحقه ما يترتب عليها من الأضرار والآثار الوخيمة الوبيلة؛ إذ إن المرء موكول بمنطقه إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
أخي المبارك :كلمتك مسؤوليتك ، فلا تتبرع بها بالمجان ، فما دامت تحت طيات لسانك فأنت قادر على التحكّم بها،فإذا خرجت صارت عند الآخرين وعليها تترتب النتائج السلبية والإيجابية
جعلنا الله مفاتيح للخير في أقوالنا وأفعالنا، والحمد لله رب العالمين
كتبه
دصالح بن سعود السعود
عضو هيئة التدريس بجامعة حائل

سبتمبر 17th, 20141770

اكتب تعليق