(سامي وبيت فرحان )
الكاتب : أ - ناصر ناهي الشمري

( اكتبوا ماشئتم ، فأنا لست سامي فرحان .. لدي أحلامي الخاصة ، ولن أخاف عليها ، أحببت التنويه فقط .. )
**** **** **** ****
– في ليلة من ليالي الصيف الهادئ كان الجو عليلا ، القمر زاه بنوره الفضي ، هو لن يتأمل نوره عند هجوم النوبة عليه في منتصف الليل أما النجوم فهي تخفق بسكون ممل ..
– الدقائق تمر بسرعة ، واللحظات تخلق إحساسا جديدا بالوقت ، تهرب منه الاماني ، والذكريات السعيدة .. ويبقى ماضيه وأوجاعه كالسرطان تتمدد بالليل ، وفي النهار تختفي نهائيا كالأشباح .
– يتمنى الإمساك بها وخنقها حتى لاتطرق ذاكرته كالعلقة ، تمتص دمه ، وتنشأ بعدها هموم كثيرة ، وضحكة الألم ، والروحانية ..
– صرع يحتويه بالمكان الذي يوجد به :
– ( بيت فرحان )
– بالزمان الذي انتهى منه .
– بأمه التي قالت ، وهي تلاحقه بتوسل :
– ياولدي لاتخرج من البيت ، سينتظرك الضياع إن خرجت والخوف ، ولن تستطيع تدبر امورك وحياتك .. وأخشى عليك من المرض والوحدة ..
– رد عليها بدموعه :
– الوحدة والمرض والخوف في بيت فرحان ، وليس خارجه ..
– كانت طفولته قاسية ، وقد أسر لبعض أصدقائه أن أكثر مايخيفه ، وهو طفل ، نظرات أبيه الصارمة التي تهز طفولته من الداخل وتهدمها فوق رأسه ، وتجعله الآن سجينا بقفص مذكراته .
– يدون في غرفته مايشعر به :
– قصيدة شعبية ..
– خاطرة جرح ..
– قصة الطفل الذي لايسير بجانب والده ابدا بل خلفه ، وإذا بصق على الارض اوشاهد اسنانه ، يرتعب بحنق .
– يشرب الماء واقفا ، فيصفعه والده كما يصفعه معلم المدرسة على مؤخرة رأسه ، ويقول :
– ألا تعلم أن الماء يشرب ، وانت جالس؟ فيصاب بألم وحيرة لا يجد لها حلا !!
– سحقا لهذه الليلة التي اختارته هي تستثير سامي فرحان ، الموظف في قسم السنترال بدائرة حكومية ، جميلة البنيان ، متناسقة الزوايا ، بابها الخارجي زجاج يفتح ألكترونيا ، كأنها بيت أوروبي التصميم .
– استدعى سامي فرحان الموظف البسيط كل ذكرياته السابقة قبل نومه ، ولم يستطع بعدها النوم في ليله القصير .
– بعد كل حلم مشوه الشكل ، يحاول تذكر تفاصيله الوامضة السريعة لايستطيع ، يتحرك إلى جهته الاخرى على فراشه البسيط مثله ..
– قام من سريره الخشبي الرخيص المصمم عند الموبيليا القريبة من بيته ، يتلفت في غرفته لايسمع إلا طرقا خفيفا ليس في ذهنه لكن وراء الباب الذي يراه بصعوبة شديدة .
– لايعلم كم مضى من الليل ، ولاكم الساعة الآن؟
– يستمر الطرق الخفيف على ظهر باب الغرفة ، يقترب بحذر ، وهو يتلمس طريقه برجليه تارة ، وبيديه تارة أخرى حتى وصل إلى مقبض بابه من الحديد ، يفتحه بخوف لايرى أحدا :
– من هناك ؟!!
– أجب ياكلب !!
– في كل حلم تأتي إلي تطرق الباب ، ولا اتذكرك ..
– انحنى براسه إلى الأسفل ، فوجد رسالة قريبة من حافة الباب ، التقطها بيد مرتعشة ، وعاد إلى فراشه ، مزق الظرف ، واستخرج أحشاءه ليقرأ هذه الرسالة .
– مصباح الأباجورة الصغير يتوهج من جديد .. ضعف النظر لديه لايمكنه من القراءة إلا إذا اقترب منه .
– هذه الرسالة غريبة ، تحمل القليل من الاسئلة ، الكثير من الحيرة :
– كيف دخل للبيت ؟!
– متى وفي اي ساعة ؟!
– كانت رسالة من سطرين صغيرين :
– سألاحقك في كل لحظة .. في كل يوم .. في كل شهر .. في كل عام !!
– الغريب وجود رسمة بدائية لسيف عربي مرسوم بقلم رصاص ، وحول ذبابته نقط ملونة بالاحمر ، وعبارة :
– ( في بطنك !! )
– طبعا لم يستطع العودة لفراشه ، مشغول الفكر ، لم يشعر به :
– لا..لا لن أعود لبيت فرحان ، وأعيش بين أب متسلط ، وام ضعيفة فقيرة ، لاتملك بيتا لتتخلص من ذل زوجها ، وتستقل عنه ..
– اعترف لك يابيت فرحان ، فلم توجد الفرحة فيك بل إن الأحلام البريئة انتحرت كما تنتحر طيور الشوك الأسترالي ..
– يبحث أحدها عن شوكة رأسية مدببة ، يطير يافرحان إلى أعلى بعد نتفه للريش الذي حول القلب ، يبدأ بالارتفاع والنزول جهة الإبرة لتخترق قلبه الصغير ، ويعزف آخر ألحانه أو بالأحرى أحلامه ..
– أنا طائر الشوك لكني لن انتحر ، سأواجه أحلامي كلها حتى الغبية منها ولامانع من ذكرها لك يازميلي :
– تمساح يلاحقني ثم ادخل في النهر ، ويعود من حيث أتى رافضا الدخول معي !!
– خادمة سوداء تجمع أسناني الساقطة فجأة ، ولاتمسح الدماء من البلاط !!
– لن أعود لأخوتي ، ولن أنسى عباراتهم ، وقد شاركت بها للأسف امي ، كيف لاأعلم ؟!
– بعض الناس دائما يسقط بالكلية ..
( أخي الأكبر )
– بعض الناس حتى الثانوية تقديره مقبول .. ( أبي )
– بعض الناس متوظف وظيفة زي وجهه سنترااال .. ( أمي )
– عبارات قديمة تحرمه من النوم عندما يتذكرها ، وأصبح في كل صباح يشرب القهوة بكثرة لعلها تساعده في طرد النوم والنعاس ، ويزاول عمله بانتباه .
– لهذا أكثر من مرة يحرج زملاءه بعدم التركيز والأخطاء المتكررة .. سيتوصل حتما للشخص الذي يراقبه ، ويكتب الرسائل في حلمه يتهدده ، سيضع سكينا تحت المخدة ، فهو لايرغب في قتله فقط يجرحه .. يخيفه كي يتركه في شأنه ..
– الليلة سامسك به .. او سانام حتى استطيع الإمساك به في حلمي ..
– أمسك بالريموت كنترول ، وأخذ يقلب القنوات بملل وقرف ، مصائب وانفجارات ، وقتل مجاني .
– ينتظره بحماس بيده اليمنى سكين الجيش الحادة والمخيفة ..
– إذا اراد الإنسان النوم لايأتيه لكن بمجرد أن يطرد الفكرة من راسه يداعبه ، ويتسلل إلى عينيه ..
– في الصباح وقبل أن يذهب إلى عمله البسيط في الدائرة الحكومية لاحظ وجود جرح متوسط على ظهر كفه ، تساءل باستغراب :
– كيف جرحت نفسي ، وهل أسير بالليل كما قال لي زميلي بمكتب السنترال :
– ( ماتذكر سامي يوم نمت بالمكتب ، تتكلم وإنت نائم .. أكيد بتمشي بعد !! )
– يلبس ملابسه بسرعة ، لم يغير ريقه بطعام الإفطار ، نصف ساعة ، ووصل إلى مكتبه ، سحب يد زميله ، وقال له بعد أن ابتعد عن الفضوليين :
– هل تذكر كلامك لي بأني سأمشي عندما انام ؟!
– نعم .. اتذكر ليه ؟
– شكلي كتبت وجرحت وخفت ، وأنا نائم وصاحي !!
– لاوجود لأحد يراقبني إلا بالحلم بل إني اتهمت اللعين بانه طعن إطارات سيارتي في الخارج ..
– كان الطاعن ابن الجيران المشاغب الذي لم تسلم منه حتى قطط الحي ..
– أفلت يده زميل العمل ، وهمس له قبل أن يعود لمكتبه :
– لاتخف ، واعرض نفسك على طبيب أو اصبر على النصيب .
– نصيب من ؟
– هم السبب ام لا ؟
– تركني في حيرتي وسؤالي ، وعاد بسرعة ..
– الليلة قام من فراشه بيده اليمنى سكينه المرفوعة بهيئة المهاجم المتشنج أمام مرآة التسريحة .
– يشاهد صورته بشكل مختلف .. عيونه تدمع ووجهه متورم بعض الشيئ مع استيقاظه الصعب ، يضحك ويخاف بنفس الوقت ، والزبد يخرج من فمه ، فالنوبة لاترحم وازرقاق الجسد فظيع ، يرعب كل من يرآه ..
– عندما يصحو من صرعه الخفيف أو الشديد ، يسأل نفسه دائما ، وبحرقة بعد أن يتحسس لسانه المجروح بفعل العضة :
– لماذا أنجبوني ، وكسروا مجدافي ، ثم حاسبوني على دخولي البحر :
– أنت لست رجلا .. أنت لست صلبا ؟!
**** **** **** ****
رسالة مختصرة من ( ن – ن ) إلى ( س – ف ) :
– كنت أرجو معرفتك من قبل ، وشرفت بمعرفتك الآن ، ياأعذب لسان ، وأطهر قلب مظلوم ، وأحزن روح أحسستها ، ولازلت اذكر دمعتك التي نزلت من عينك الحمراء من شدة الضغط ، وكادت ان تعمى ..
– قلت يومها : أنت الوحيد الذي رآها ، وساكون الوحيد الذي يمسحها ..
– أنا معك بقلبي وقلمي ، ولن اذكر اسمك الحقيقي .. سلام عليك ياضحية التسلط .
– كل مااطلبه منك أن ترحل كما ترحل النوارس هي تعود ، وأنت لن تعووود !!
– أهديك هذا الجزء من قصيدتك التي أرسلتها لي بحياء مدعيا بأنك لست شاعرا إنما هي خواطر ، وكنت في حاجة للبكاء بعنوان ( ليه ) :
– ليه ؟
حظي كل ماقلت
ارتفع ..
أو قلت اجتمع
تفرق في دروبي
وانقطع ..
تجرحني هذي (الليه )
يعذبني هذا التيه
افتحِ باب
أي باب !!
قلبي
سمع ..
صوتك الدافي أبيه
لكن ابسألك
بالله أبسالك :
إنتِ حبي الأروع ؟!
لا .. انا انتهيت .. لاتسالِ
ولا تقولِ وين
السؤال ؟!
– ليه ؟
لازم يكون حبك الأبعد؟
يكون قلبك الأبرد
المنتهي .. اللامنتهي
كيف أعشقه ؟
وأنا سنين أركض
وفي خريف العمر
الحقه !!
أبي الوعد ولاتخاف
ترى البحر غدار
تحسس المجداف
لاينكسر ..
أما أنا مثل ماتبي
رحال ..
الشاعر / سامي فرحان

مايو 26th, 2019516

اكتب تعليق