كوريا الجنوبية .. هكذا تُبنى المجتمعات
الكاتب : أ - محمد البلادي

 

• تبدو المسافة الاقتصادية والحضارية والثقافية الشاسعة بين شطري كوريا (الشمالي والجنوبي) كمثال صارخ على الفارق بين العمل التنموي والتعليمي الجاد والمنظم، وبين الوقوع في فخ الشعارات السياسية الجوفاء.. فكوريا الجنوبية التي لم تكن شيئًا مذكورًا في خمسينيات القرن الماضي تعد اليوم واحدة من أعظم الدول الصناعية في العالم، وأحد أكبر الاقتصادات العالمية.. بينما لا يزال الشق الشمالي يغرق في دوائر الجهل والفقر والتخلف.. فما الذي حدث؟.

• يمكن القول إن الفارق الحقيقي بين شطري كوريا (والضد يظهر حسنه الضد) ليس في الموارد، فكلا الشطرين لا يملكان موارد يمكن التعويل عليها.. الفارق الحقيقي كان في المنهج والرؤية للتعليم وللإنسان، ففي حين اهتم الجنوبيون ببناء مجتمع مدني متعلم ومتحضر ومتفهم لطبيعة العصر والتنافسية، منفقين في سبيل ذلك الهدف ما يصل إلى 30% من ناتجهم القومي.. أنفق نظراؤهم الشماليون الرقم نفسه ولكن على التسلح وإنتاج العتاد العسكري؛ وتشديد القبضة الأمنية على مواطنيهم وجيرانهم!.. ولا أظنكم بحاجة لدلائل لمعرفة النتائج، ففي الوقت الذي يقاسي فيه أهل الشمال من ويلات التخلف والفقر والجهل والعزلة ومتلازمة الفشل الشيوعي.. ينعم جيرانهم الجنوبيون بحياة رغدة آمنة بعد أن أصبحوا من أكثر الدول تقدمًا في التعليم والبحث العلمي والصناعة.

• لقد أدرك الساسة الجنوبيون مبكرًا أن ثروتهم الحقيقية هي الإنسان، وأن دولتهم ضعيفة الموارد والتي كانت تتلقى إعانة مالية سنوية من الفلبين قبل 50 سنة فقط، بحاجة إلى خطة إستراتيجية لتطوير التعليم وبناء مجتمع قوي وواع، فضاعفوا الإنفاق على التعليم أكثر من 150 ضعفًا خلال 30 سنة فقط، من 300 مليون إلى 47 مليار دولار.. والهدف كما قلنا بناء المواطن المبدع والملتزم بالعمل والأخلاق، وغرس قيم التكيف الاجتماعي في سلوكه.

• تقوم خطة التعليم الكورية على غرس قيم المواطنة والأمانة وحب واحترام العمل والحياة والإنتاج في الأطفال منذ المرحلة الابتدائية من خلال مواد التربية الأخلاقية، والدراسات الاجتماعية والموسيقى والفنون الجميلة، وكذلك مادة الحِرَف والمهن التي تبدأ منذ الصف الرابع الابتدائي، ويتم انتقال التلميذ في المرحلة الابتدائية نقلاً آليًا من صف إلى صف أعلى دون اختبار، مما ساهم بالفعل في بناء الشخصية القادرة على العطاء المتميز في الحياة، كونها تنتج عن مدرسة لا تقيم وزنًا كبيرًا للاختبارات، بل ينصب اهتمامها على امتلاك طلابها للمعلومات والمهارات والقيم والمفاهيم الإنسانية الأساسية. باختصار: لقد كان الإنسان والمدرسة هما طرفا الرهان في المعجزة الكورية ولهذا نجحت بامتياز.

• في اعتقادي أن أكبر درس قدَّمته كوريا التي استقلت عن الاحتلال الياباني في العام 1945، ثم قسمتها الحرب الأهلية بين عامي 1950-1953م للعالم هو أن من يراهن على الاستثمار في التعليم؛ وبناء المجتمع المتماسك والواعي سينجح مهما قلَّت إمكانياته، على عكس مَن يهتمون بالحروب والسلاح ويرزحون تحت أثقال نظرية المؤامرة.

يونيو 29th, 2019768

اكتب تعليق