تَجَاوز !
الكاتب : أ - محمد البلادي

▪ للأمانة.. لم أعد أذكر أين قرأت تلك النصيحة المكثفة التي سكبها أحدهم في أذني ابنه عندما سأله الابن : كيف أعيش هانئاً يا أبي؟ .. لكنني مازلت أذكر جيداً نصها الذي لم يزد عن كلمة واحدة؛ حين أجاب الأب بثقة المجرّب: (تجاوز).. ثم سكت!. ولعل رسوخ هذه النصيحة في ذاكرتي -المثقوبة- ليس لقصرها فقط.. بل لعمق المعنى أيضاً، ولقوة القيمة التي أجدني أزداد إيماناً بها، وبأثرها في حياة البشر؛ كلما تقدم بي العمر يوماً واحداً.

▪ نعم إنها فضيلة التجاوز.. إكسير الحياة الهانئة، وسر الاتزان والهدوء والتعقل المحمود أمام جنون وطغيان المصالح، واضطرابات بعض النفوس من حولنا.. فعلاقاتنا لا تزدهر إلا في ظل بيئة مترعة بالتغاضي والتجاوز.. وصحتنا وجزء كبير من سعادتنا لا تتحقق إلا بتجاوز الحزن وتناسي الهموم، والتعامل الحكيم مع سيل الحماقات الذي يكاد يغرقنا في دروب الحياة.

▪ ولأن كل شيء يبدأ من النفس، فإن من المهم أن تتجاوز عن أخطائك الشخصية أولاً، متذكراً أنك ستكون بخير بمجرد أن تتوقف عن اللهاث خلف ما يقوله الناس عنك. لاتكابر من أجل مظهرك أمام الناس.. فإن تيقنت يوماً أنك تركب القطار الخطأ، فلا تتردد في النزول عند أول محطة، لأن الاستمرار يعني تعمقك في الخطأ، وزيادة في تكلفة رحلة العودة.

▪ الأقارب ليسوا عقارب كما يقول المثل الساذج.. إنهم سندك، والتجاوز عنهم ليس اختياراً، بل ضرورة لابد منها.. صحيح أن البعض منهم قد يكونون أكثر الناس إيلاماً لك.. لكن هذا ليس لأنهم سيئون، بل لأنهم أكثر الناس قرباً منك واحتكاكاً بك، والاصطدام في هذه الحالة أمر وارد بل حتمي.. فأحسن النية.. وتجاوز.. لأن القطيعة أكثر ضرراً، وأشد وجعاً.

▪ العمل مجال خصب لتكوين الذات والعلاقات الناجحة، لكنه مجال للاصطدام بالآخرين وإثارة الأحقاد والضغائن أيضاً، خصوصاً مع ضعفاء النفوس الذين قد يغضبهم نجاحك وتميزك، أو مع الفاسدين الذين يرونك تهديداً دائماً لهم، فكن كبيراً في تعاملاتك معهم.. كن ثابتاً على الحق ولا تستجب لاستفزازاتهم.. سيتهمونك ويرمونك بما ليس فيك.. سيشتمونك ويؤذونك.. سيسلطون عليك صبيانهم وتابعيهم وجيوش المتسلقين من خدَمِهم.. فامشِ في طريق الحق ولا تلتفت، فهذا يؤلمهم أكثر.

▪ ‏دخل رجل على الأحنف بن قيس وأخذَ يشتِمُه ويلح في ذلك إلحاحاً شديداً، والأحنف صامت لا يحرك ساكناً، حتى ضاق بالرجل أمره، فانقلب مغموماً إلى قومه يقول: «والله ما سكتَ عنى إلا لهواني عليه!». حافظ على أصدقائك بالتجاوز عنهم، امنح صديقك ألف فرصة، تجاوز حتى عن أصحاب القلوب السوداء، أولئك الذين شاركتهم علاقة عمل أو علاقة اجتماعية، أو حتى صداقة عابرة فأساءوا إليك.. لست مجبراً على العودة.. لكن التجاوز مهم من أجلك أنت.

▪ طوبى لكل من تجاوز بعقله حروباً (أهلية) كل أطرافها خاسرون.. لكل من تحمل الأذى من أجل الحفاظ على صديق.. لكل من تجاوز بحكمته حماقات واستفزازات حاقد أو فاسد مأفون.. وأخيراً طوبى لكل من أدرك أن سر السعادة يكمن في التغافل.. في التعقل والإعراض عن حماقات الجاهلين.

يوليو 10th, 2019315

اكتب تعليق