(( حب الوطن من الدين ))
الكاتب : د صالح بن سعود الســعود

(( حب الوطن من الدين ))
لا يخفى علينا ما يدور حولنا من أحداث جسام ، والواجب يحتم علينا أن تتضافر جهودنا ، وتتحد قلوبنا ، ونتكاتف سواعدنا لحماية بلدنا ووطننا من أي خطر متوقع ، وأي ضرر ينتظر ، وذلك بأن نكون صفاً واحداً ، وجسداً واحداً ، متعاونين على البر والتقوى ، متناهين عن الإثم والعدوان ، نابذين العداء والبغضاء ، حتى نفوت على العدو فرصته ، في زرع جذور التنازع والشقاق ، قال الله تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) [ الأنفال : 46 ] وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ، أن رسول الله قال : ” أن الله يرضى لكم ثلاث ويكره لكم ثلاث ، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ”
إن رابطة العقيدة والدين رابطة عظمى ، وعروة وثقى ، لها مقتضياتها وواجباتها ، وتكاليفها وحقوقها الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله رابطة تنكسر تحتها شوكة أهل البغي والعدوان ، وتندحر أمامها قوى الظلم والطغيان ، يقول تبارك وتعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) [ التوبة : 71 ] ويقول : ” المؤمن مرآة المؤمن ، والمؤمن أخو المؤمن ، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه ” أبو داود .
إن المجتمع المسلم على اختلاف أجناسه وألوانه بنيان واحد وجسد واحد ، يسعد بسعادة بعضه ، ويتألم لألمه ومرضه ، يجمع أفراده دين واحد هو الإسلام ، وكتاب واحد هو القرآن ، ونبي واحد هو سيد الأنام نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام يقول : ” من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تخفروا الله في ذمته “البخاري ، ويقول : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ” مسلم .
إن مجتمعنا ووطننا له علينا حقوق كثيرة ، فنحن نعيش فوق أرضه وتحت سماءه ، نرتوي من ماءه ، وننعم بخيراته ، فأمنه أمننا وخيره خيرنا ، فلنحرص على كل ذرة رمل من أرضه وترابه أن تمس بسوء فضلاً عن مرافقه العامة ، ومنشآته الهامة .ولنحذر من ضعاف النفوس الذين يبثون الإشاعات المغرضة ، والأخبار الكاذبة ليوهنوا عزمنا ، ويفرقوا شملنا ، ولنحذر من المستهترين الذين يريدون أن يحققوا مصالح شخصية ومنافع غير شرعية على حساب الوطن والدين .
إن أعداء الأمة قديماً وحديثاً يحرصون كل الحرص على بث الفرقة بين المسلمين وعلى تمزيق الصف الداخلي وتشتيته ، حتى يسهل عليهم تحقيق مآاربهم الخبيثة ، فيصبح الوطن لقمة مستساغة لأعداءه فينهبوا خيراته .وقديماً كان اليهود يبثون الفرقة ويثيرون النعرات بين الأوس والخزرج قبل الإسلام حتى نشبت بينهم حروب طاحنة ، وهم أبناء البلد الواحد , فلما ألف الله بين قلوبهم بالإسلام ، وجمع شملهم بالإيمان ، فأصبحوا بنعمته إخواناً ، اغتاظ اليهود ، وغلت مراجل الحقد في قلوبهم ، وخططوا للوقيعة بينهم ، فلقد مر رجل من اليهود على جماعة من الأوس والخزرج فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلاً معه ، وأمره أن يجلس بينهم ، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم ” بعثات ” ففعل ، حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وطلبوا السلاح ، وتنادوا للحرب وتواعدوا للقاء والنزال ، وكادت تحدث حرباً بين الإخوة المتحابين لا يعرف مداها إلا الله ، فبلغ ذلك النبي فأتاهم فجعل يسكنهم ، ويقول ” أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ” فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلام ، وفي ذلك أنزل الله قوله : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم) ثم أمرهم سبحانه وتعالى أن يعتصموا بحبل الله جميعاً وألا يتفرقوا ، وأن يكونوا جسداً وقلباً واحداً أمام محاولات أعداءهم لتفريق جمعهم وتشتيت شملهم فقال سبحانه : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) .
إن حب الوطن والتعلق به والحنين إليه أمر فطري في النفوس البشرية، فهو مهد الطفولة، ومدرج الصبا، ومغنى الشباب، وسجل الذكريات، يعيش فيه الإنسان فيألف أرضه وسماءه، ويرتبط بسهوله وجباله وأشجاره وغدرانه، يألف حره وبرده وتقلباته، ويحس فيه بالسعادة الغامرة والأنس الجميل.
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكرت أوطانهم خطرت لهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا
فكل خير يجده الإنسان في ثرى وطنه، وكل نعمة ينعم الله بها عليه تعقد وشيجة ورباطا زائداً بينه وبين ذلك الصقع من أرض الله، ولا ينسى الإنسان أن تلك الأرض هي التي احتضنته واكتنفته وهو أحوج ما يكون إلى ذلك قبل أن ينشئ أي علاقة أخرى مع أي مكان كان.ونحن نلاحظ أن هذا الحنين إلى الأوطان أمر في غريزة كثير من المخلوقات فهي تنجذب إلى مآلفها ومواطنها كلما فارقتها أو ابتعدت عنها، فحنين الإبل إلى مرابضها والأطيار إلى أوكارها كل ذلك من سنة الله .
الإسلام لا يتنكر للفطرة البشرية ولا يحارب الطباع الإنسانية، بل تلك أحداث السيرة تقص علينا كيف وقف رسول الله  يخاطب مكة ذلك الخطاب الذي يُدمع العين ويجرح القلب بعد ما مكث بين أظهر أهلها ثلاث عشرة سنة يدعوهم لعبادة الله وحده ونبذ الشرك، فناله منهم أعظم الإيذاء والتكذيب.وحين طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وقرروا قتل النبي  في مؤامرة دار الندوة ، خرج رسول الله  من مكة، ولكنه لم يخرج ناقما عليها ولا كارها لها لما ناله فيها خلال تلك السنين، بل ودعها بتلك الكلمات التي تقطر رقة وحبا وحنينا وإيمانا ، فقال: “والله إنك لأحب البقاع إلى الله وإنك لأحب البقاع إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت”. وكذلك كان أصحاب رسول الله  يحنون إلى مكة بعد ما قدموا المدينة ووجدوا فيها من الإيواء والمؤازرة والتبجيل ما شهد القرآن لأهله شهادته الخالدة: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الحشر: 9]،فلم تُنس المدينة أهل مكة الحنين إليها ، فكان بلال وقد أصابته حمى المدينة ينشد هذه الأبيات ويرفع بها عقيرته:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردَنْ يوما مياه مجنــة وهل يُبدونْ لي شامة وطفيل
وها نحن قد أكرمنا الله سبحانه وتعالى في وطننا هذا بأنواع النعم فأغدق علينا من الرزق الحلال وجعل بلادنا آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، أطعمنا من جوع وآمننا من خوف، كبت أعداءنا وأجاب دعاءنا، وهيأ لنا من أسباب الراحة والسعادة ما لا قبل لنا بشكره ولو صرفنا في ذلك العمر كله ، أمن قائم ، وعيش رغيد ، وحياة هنيئة ، عمار وأمان وقرار، وقد امتن الله تعالى ببعض ذلك على قريش فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) [العنكبوت: 67] وإنها لمنة عظيمة أن يرزقك الله الأمن، في حين أن الناس إلى جانبك يتخطفون من الخوف، لا يهنأ لهم عيش ولا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار، كما خاطب الله المسلمين بعد بدر مذكراً لهم بما كانوا فيه في مكة:( وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
من مظاهر حب الوطن أن يعمل الإنسان ما استطاع من أجل حماية مكاسبه وصيانة خيراته ومقدراته، ويكون عيناً حارسة له من كل عدو ومتربص في الداخل أو الخارج، وإن ذلك – مع تقوى الله والشعور بنعمته – شكراً لهذه النعمة واستدامة لها بإذن الله، قال الله سبحانه: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) [إبراهيم: 7] ، إن علينا من منطلق الإيمان، ثم من منطلق حب هذا البلد المبارك، أن نَجْهد في النصح له وفي القيام بواجباتنا تجاهه، وليعلم كل واحد منا أنه حارس للمجتمع ومرابط على ثغر من ثغور الأمة، فلا يؤتينَّ الإسلام من قبله، وإنها لأمانة ورعية استرعانا الله إياها، وقد صح عن النبي  أنه قال: “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” متفق عليه .
كتبه
د صالح بن سعود الســـعود
عضو هيئة التدريس بجامعة حائل

أكتوبر 2nd, 20141890

اكتب تعليق