ليس بالضرورة أن يكونوا ملائكة!
الكاتب : أ - محمد البلادي

 

· من طريف ما يُروى عن (ديل كارنيجي) صاحب الكتاب الشهير (دع القلق وابدأ الحياة) أن زوجته (دورثي) كانت كثيراً ما تداعبه إن رأت منه انسياقاً وراء غضب أو قلق ، أو تقاعس عن أخذ الأمور بالحكمة والروية التي كان يطالب الناس بها من خلال كتبه ومحاضراته، فتطلب منه إعادة مبلغ (٧٦) دولاراً تقول إنها قد أنفقتها على الدراسة في معهده، لأنه وهو المعلم صاحب المبادئ والتعاليم والكتب العظيمة لا يلتزم بما يقول من قيم، ولا يستطيع تطبيقها على نفسه!.

· الجميل أن (كارنيجي) الذي غيّر مفاهيم الملايين من البشر حول العالم بكتبه ومحاضراته، لا يدَّعي المثالية ولا الملائكية، ولا يجد في نفسه حرجاً من الاعتراف بأنه رغم إيمانه العميق وتشبعه بالمبادئ التي ينشرها على الناس؛ إلا أنه لا يستطيع المثابرة على تطبيقها جميعاً، وفي هذا يقول: لست بدعاً من الخلق، وإنما أنا بشر تنتابني أحياناً مشاعر الغضب، والانتقام، أو الكراهية، ثم يلتمس لنفسه عذراً.

· تفهُّم الطبيعة البشرية للنفس الإنسانية؛ ضرورةٌ كفيلةٌ بالتعامل السوي والمنصف معها، كما أنه متطلب مهم -وهذا ما يهمنا اليوم- لقبول ما يأتي منها من نصح أو نقد، وعدم المكابرة في قبوله.. فمن ينتقدك؛ أو يقدم لك فائدة أو إرشاداً؛ ليس بالضرورة أن يكون مَلَكاً معصوماً، ولا حتى يُشترط أن يكون مطبقاً لما يقول، فمن الجائز أنه لا يستطيع العمل بنصيحته، بينما تستطيع أنت فعل ذلك.. العبرة هنا بالفائدة إذن؛ لا بمن يقدمها.

· من أجمل ما قرأت للدكتور طه حسين قوله: «إياك والرضا عن نفسك فإنه يجرّك للخمول، وإياك والإعجاب المفرط بها، فإنه يورطك في الحمق، وإياك والغرور فإنه يحرمك الاستفادة من آراء الناس بك، ويظهر للناس نقائصك ولا يخفيها إلا عليك» !. وقد كان فيلسوف الصين الشهير (كونفشيوس) يشكو من أنه لا يستطيع الالتزام دائماً بالمبادئ والتعاليم والحكم التي يبشِّر بها وينشرها، والتي مازالت تملأ الدنيا حتى اليوم.. وهذا قمة التواضع الإنساني والصدق مع النفس في رأيي.

· من المهم جداً إدراك أننا كبشر؛ نفكّر بمثاليّة ونعمل بواقعيّة، وأن الأنبياء وحدهم هم من يفكّرون بواقعية ويعملون بمثاليّة.. لذا لاتستسيغ النفس البشرية النقد أو النصيحة، كونها تذكّرها بعيب او بنقيصة لا ترغب في الاعتراف بها، وكثيراً ما تلجأ للطعن في شخص المنتقد قبل رأيه.

· قبول النقد والاستفادة منه فضيلة من المهم تطويع النفس عليها.. الحكمة ضالة المؤمن، خذها ولو من أفواه المجانين.. المحيطون بك ليسوا ملائكة ولن يكونوا، فاقبلهم واقبل ما يقولون حتى وإن لم تلتزم به.. وتذكر دوماً أنك تعيش ضمن مجتمع إنساني يخطئ ويصيب آلاف المرات في اليوم الواحد.

يوليو 24th, 2019889

اكتب تعليق